تباطؤ اقتصاد منطقة اليورو يدفع المركزي الأوروبي نحو تثبيت الفائدة


تحرير: مجد حيدر
يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه هذا الأسبوع، في ظل مؤشرات على تباطؤ النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو، رغم استمرار الضغوط التضخمية والتحديات المرتبطة بالطاقة والأسواق المالية.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ نُشر في 26 تشرين الأول 2026، يُتوقع أن تكشف البيانات الاقتصادية المقرر صدورها يوم الجمعة عن تراجع وتيرة النمو في منطقة اليورو خلال الربع الثالث، ما قد يدفع صناع السياسة النقدية إلى تأجيل أي زيادة جديدة في أسعار الفائدة.
ويشير استطلاع أجرته بلومبرغ إلى احتمال تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 0.2% خلال الفترة الممتدة من تموز إلى أيلول، مقارنة مع 0.6% في الربع الثاني، الذي استفاد من أداء اقتصادي قوي في إيرلندا.
وتظهر استطلاعات منفصلة غياب مؤشرات واضحة على تسارع التضخم خلال تشرين الأول في أكبر أربعة اقتصادات بمنطقة اليورو، ما يقلل الحاجة إلى اتخاذ إجراءات نقدية إضافية بصورة فورية.
ورغم الصمود النسبي الذي أظهره الاقتصاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب مع إيران، بدأت تظهر علامات ضعف في نشاط الشركات، بالتزامن مع تشديد الأوضاع المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وقالت سيمونا ديلي كياي، كبيرة اقتصاديي منطقة اليورو لدى «بلومبرغ إيكونوميكس»، إن المخاطر التي تهدد النمو تتزايد في ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة والتشديد الحاد في الظروف المالية.
وتأثر النشاط الاقتصادي خلال الربع الثالث بموجات الحر الصيفية وانخفاض مستويات المياه في ممرات ملاحية رئيسية، إضافة إلى ارتفاع عوائد السندات العالمية.
وتفاقمت التحديات لاحقاً مع تصاعد الاضطرابات السياسية والمالية في فرنسا، حيث تواجه الحكومة احتجاجات واسعة ومخاوف متزايدة بشأن أوضاع المالية العامة.
وسجل القطاع الخاص الفرنسي انكماشاً في تشرين الأول، فيما حذرت شركة «كارفور» من أن أعمال النهب المنتشرة في أنحاء البلاد ستؤثر بصورة كبيرة في أدائها.
وشهد سهم الشركة أسوأ أداء أسبوعي له منذ الأزمة المالية العالمية.
أما ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، فتُظهر مؤشرات تحسن مدعومة بزيادة الإنفاق الحكومي، إلا أن البنك المركزي الألماني يرجح أن يكون الاقتصاد قد سجل ركوداً في النمو خلال الربع الثالث.
وفي ما يتعلق بالتضخم، تشير التوقعات إلى احتمال بلوغه 4% قبل نهاية العام، لكن بيانات تشرين الأول قد تظهر تفاوتاً بين دول المنطقة.
ويرتبط ذلك جزئياً بإجراءات تخفيف الضرائب على الوقود في ألمانيا، إلى جانب توقعات بتراجع وتيرة التضخم في إسبانيا.
وبناءً على هذه المعطيات، يرجح اقتصاديون أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع عند 2.5% هذا الأسبوع، وأن يؤجل الزيادة الثالثة والأخيرة المتوقعة إلى كانون الأول.
ورغم المخاطر القائمة، لا يزال بعض المحللين متفائلين بقدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود.
ويرى مصرف «بي إن بي باريبا» أن النمو حافظ على قدر من المتانة خلال الربع الثالث عند استبعاد التقلبات المرتبطة بالبيانات الإيرلندية، مستفيداً جزئياً من انخفاض البطالة.
كما يتوقع البنك المركزي الألماني تحقيق توسع اقتصادي ملحوظ خلال الفترة المقبلة.
في المقابل، حذر ينس آيزنشميدت، كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «مورغان ستانلي»، من المخاطر المرتبطة بنقص إمدادات الطاقة، مشيراً إلى أن انخفاض مخزونات الغاز في ألمانيا قد يفرض احتمال تقنين الاستهلاك إذا شهدت البلاد شتاءً شديد البرودة.
وتشكل أسواق السندات مصدر ضغط إضافياً، خصوصاً في فرنسا، حيث ارتفعت علاوة العائد التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الحكومية لأجل عشر سنوات مقارنة بالسندات الألمانية إلى مستويات لم تُسجل منذ أزمة الديون الأوروبية.
وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد قد أشارت هذا الشهر إلى ارتفاع ملحوظ في عوائد السندات منذ اجتماع أيلول، معتبرة أن ذلك سيؤدي إلى إبطاء النمو وتقليص انتقال تكاليف الطاقة المرتفعة إلى بقية الاقتصاد.
ورغم استبعاده الحديث عن أزمة ديون، أقر محافظ البنك المركزي الإيطالي فابيو بانيتا بأن التطورات الحالية ستشكل عبئاً على النمو الاقتصادي.
ويرى اقتصاديون في «بنك أوف أميركا» أن هذه الظروف قد تدفع البنك المركزي الأوروبي إلى اعتماد لهجة أقل تشدداً مقارنة باجتماعه السابق، مع إعطاء اهتمام أكبر لتداعيات الأوضاع المالية والسياسية على النمو.
وتبقى قرارات السياسة النقدية المقبلة مرتبطة بمدى استمرار التضخم، وقدرة اقتصادات منطقة اليورو على تحمل ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل خلال الأشهر المقبلة.



