الحرب الروسية الأوكرانية تضغط على إمدادات الغذاء والوقود عالمياً

تحرير: مجد حيدر
تواجه إمدادات الغذاء والوقود العالمية ضغوطاً متزايدة نتيجة تصاعد الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على منشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية الزراعية، ما أدى إلى تعطيل حركة الصادرات وارتفاع تكاليف النقل، في وقت تتداخل فيه تداعيات الحرب مع اضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ نُشر في 26 تشرين الأول 2026، كثفت موسكو وكييف خلال العام الماضي استهداف القطاعات الاقتصادية الحيوية لدى الطرف الآخر، بما يشمل مصافي النفط ومستودعات الوقود والموانئ والسفن ومرافق تخزين الحبوب.
وشهدت روسيا خلال الصيف نقصاً في الوقود دفع السكان، بمن فيهم سكان موسكو، إلى الانتظار أمام محطات التعبئة والبحث عن أماكن تتوافر فيها الإمدادات.
وتراجعت حدة الأزمة بعد استيراد كميات من الوقود وإصلاح بعض المصافي المتضررة، إلا أن النقص لم ينتهِ بصورة كاملة في جميع المناطق.
وأعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في 16 تشرين الأول أن العجز في إمدادات البنزين لا يزال يبلغ 5%، رغم تحسن التوافر وتخفيف القيود على المبيعات في عدد من المناطق.
وفي بعض المناطق الروسية، استمرت الطوابير أمام المحطات التي تبيع الوقود بأسعار أقل، بينما بقيت الأسعار أعلى لدى المحطات الخاصة.
وتسببت الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى في تعطيل عمليات التكرير الروسية، بعدما استهدفت طائرات مسيرة وصواريخ منشآت تقع على مسافات تقترب من ثلاثة آلاف كيلومتر داخل الأراضي الروسية.
وأدت هذه العمليات إلى انخفاض معالجة النفط في المصافي الروسية إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، وتعطيل بعض صادرات النفط الخام والمشتقات بصورة مؤقتة، ما دفع موسكو إلى فرض قيود على معظم صادرات البنزين والديزل.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تبقى عمليات التكرير الروسية أقل بنحو 30% من مستويات ما قبل الحرب حتى عام 2027، إذا استمرت الهجمات بالمستوى الحالي.
وتستهدف أوكرانيا أيضاً ناقلات النفط والسفن المرتبطة بما يُعرف بأسطول الظل الروسي، في محاولة للحد من الإيرادات التي تستخدمها موسكو لتمويل الحرب.
وقالت إيكاترينا فلاسوفا، الخبيرة الاقتصادية المختصة بروسيا وأوروبا الشرقية لدى «بلومبرغ إيكونوميكس»، إن إعادة توجيه الإمدادات واستخدام البدائل ساعدا حتى الآن على احتواء الأضرار الاقتصادية الأوسع، لكنها حذرت من أن استهداف منشأة حيوية قد يحول اضطراباً محلياً إلى أزمة أكثر اتساعاً.
ولم تقتصر تداعيات التصعيد على قطاع الطاقة، إذ شهدت صادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا اضطرابات كبيرة نتيجة الهجمات على الموانئ والسفن ومستودعات التخزين وشبكات النقل.
وكانت الدولتان قد استفادتا من ظروف مناخية ملائمة خلال الربيع والصيف، ما أدى إلى محاصيل وفيرة، لكن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وصعوبة استخدام طرق التصدير البحرية حدتا من القدرة على إيصال المنتجات إلى الأسواق.
وتعرضت الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، بما فيها أوديسا، لهجمات روسية متكررة، إضافة إلى استهداف موانئ نهر الدانوب التي تشكل طريقاً بديلاً للصادرات.
في المقابل، استهدفت أوكرانيا موانئ وسفناً روسية في البحر الأسود وبحر آزوف، ما ساهم في تعطيل حركة الشحن.
واضطر بعض المزارعين الأوكرانيين إلى نقل محاصيلهم براً عبر بولندا باتجاه ألمانيا، رغم ارتفاع تكاليف النقل والازدحام عند المعابر الحدودية.
كما تواجه شبكة السكك الحديدية الأوكرانية صعوبات في استيعاب الكميات التي كانت تُصدر سابقاً عبر البحر.
وفي روسيا، التي كانت تعتمد على موانئ البحر الأسود لتصدير نحو 80% من حبوبها، تحاول السلطات تحويل المزيد من الشحنات إلى موانئ بحر البلطيق والشرق الأقصى.
لكن هذه البدائل لم تمنع تراجع الصادرات، ما أثر في أرباح المزارعين ودفع بعضهم إلى التفكير في تقليص زراعة الحبوب الشتوية.
ووفق بيانات شركة الاستشارات الزراعية «بروزرنو»، انخفضت صادرات القمح الروسي بنسبة 52% على أساس سنوي خلال أيلول، لتصل إلى 2.2 مليون طن.
وبحلول 20 تشرين الأول، بلغت صادرات روسيا 1.06 مليون طن، مع توقعات بأن تبقى حصيلة الشهر دون مستوى 5.24 ملايين طن المسجل في تشرين الأول 2025.
أما أوكرانيا، فتُصدر نحو نصف الكميات الزراعية المتوقعة، وفق مسؤولين في كييف.
وتنعكس هذه الاضطرابات على التجارة العالمية، وإن كان تأثيرها المباشر في أسعار القمح محدوداً نسبياً حتى الآن بسبب ارتفاع المخزونات العالمية.
وفي سوق الوقود، يصعب فصل أثر الهجمات على المنشآت الروسية عن اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب في منطقة الخليج.
وتُظهر بيانات شركة «كبلر» تراجع صادرات الديزل العالمية من نحو 7.1 ملايين برميل يومياً في أيلول 2025 إلى 6.1 ملايين برميل يومياً في أيلول 2026، مع انخفاض الصادرات الروسية بنحو 467 ألف برميل يومياً.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى العلاقات السياسية، إذ حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية جزءاً من مسؤولية ارتفاع أسعار الديزل، وطالب بوقفها.
كما رفعت واشنطن بصورة مؤقتة بعض العقوبات المفروضة على صادرات الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، في خطوة أثارت اعتراض كييف وحلفائها الأوروبيين.
ومع ذلك، فإن انخفاض نشاط المصافي الروسية يحد من قدرتها على زيادة الإمدادات بالقدر الكافي للتأثير بصورة كبيرة في الأسعار خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وتكشف التطورات الأخيرة مدى ارتباط أسواق الغذاء والطاقة بالبنية التحتية للنقل والإنتاج في مناطق النزاع، إذ باتت الهجمات على المنشآت الاقتصادية قادرة على تعطيل التجارة الدولية وإضافة ضغوط جديدة على المستهلكين والمزارعين والشركات في أنحاء العالم.



