شتاء لبنان...حين تصبح التدفئة عبئًا يفوق الإحتمال


تقرير: أحمد شرف الدين
مع اقتراب فصل الشتاء، تعود المخاوف الاقتصادية إلى واجهة الحياة اليومية في لبنان، حيث لا تقتصر الإستعدادات للموسم البارد على تأمين الملابس الشتوية ومستلزمات المنزل، بل تمتد إلى حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بكلفة التدفئة والمحروقات والمواد الغذائية والكهرباء. وبين تراجع درجات الحرارة وارتفاع أعباء المعيشة، يجد اللبناني نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على دفء منزله من دون أن يستنزف ما تبقّى من دخله؟
وفي القرى النائية، حيث تشتد قسوة الشتاء وتنخفض درجات الحرارة، لا تبدو هذه المخاوف مجرد حسابات اقتصادية، بل هاجسًا يوميًا يرافق العائلات مع اقتراب موسم البرد، في ظل تساؤلات متزايدة حول القدرة على تأمين مستلزمات التدفئة وسائر الإحتياجات الأساسية.
شتاء يبدأ من جيب المواطن
لم تعد كلفة الشتاء في لبنان بندًا موسميًا عابرًا في ميزانية الأسرة، بل أصبحت إختبارًا جديدًا للقدرة الشرائية. فمع الاعتماد على المازوت والغاز ووسائل التدفئة الكهربائية، تتحول أبسط الإحتياجات اليومية إلى نفقات تحتاج إلى تخطيط مسبق، خصوصًا لدى العائلات ذوات الدخل المحدود والثابت. وتتجسد هذه المخاوف في حياة سكان القرى البقاعية، ومن بينهم أحد أبناء بلدة الكرك، الذي يعرب عن قلقه من كيفية تأمين المحروقات اللازمة لتدفئة منزله خلال أشهر الشتاء القاسية. فبالنسبة إليه، قال في لقاءٍ حصريٍّ للموقع أنه لم يعد شراء المازوت مجرد استعداد موسمي، بل عبئًا ماليًا يفرض عليه البحث عن بدائل أقل كلفة، في محاولة للتوفيق بين متطلبات التدفئة وسائر المصاريف اليومية. وتشير بيانات إدارة الإحصاء المركزي إلى أن مؤشر أسعار الإستهلاك إرتفع بنسبة 16.66% على أساس سنوي في آب/أغسطس 2026، وبنسبة 1.40% مقارنة بشهر تموز /يوليو ، ما يعكس استمرار الضغوط على كلفة المعيشة، رغم اختلاف نسب الإرتفاع بين القطاعات. ولا تعني هذه الأرقام مجرد تغيّر في المؤشرات الإقتصادية، بل تعني عمليًا أن الأسرة التي كانت تخصّص جزءًا من دخلها للتدفئة والغذاء والنقل باتت مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وربما الإستغناء عن بعض الإحتياجات لتغطية إحتياجات أخرى أكثر إلحاحًا.
تشكّل المحروقات أحد أبرز العوامل التي تحدد كلفة الشتاء اللبناني، ليس فقط بسبب استخدامها المباشر في التدفئة، بل أيضًا نتيجة انعكاس أسعارها على النقل وتوزيع السلع والخدمات. وبحسب دراسة صادرة عن مختبر العمل والعدالة في الجامعة الأميركية في بيروت في تشرين الأول (أكتوبر) 2026، إرتفع سعر المازوت بنسبة 54% بين نهاية حزيران (يونيو) والذروة المسجلة في 22 أيلول/ سبتمبر. كما شهدت أسعار عدد من السلع المعبأة إرتفاعات تراوحت بين 3% و7% ضمن الفئات التي شملتها الدراسة، بالتزامن مع موجة ارتفاع تكاليف الوقود. وتوضح هذه المؤشرات أن تأثير المحروقات لا يتوقف عند فاتورة التدفئة، بل قد يمتد إلى أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك، وإن كانت العلاقة بين الوقود والأسعار تتداخل أيضًا مع تكاليف الإستيراد والعوامل الموسمية وظروف العرض والطلب. وفي هذا السياق، يصبح استقرار أسعار الطاقة عاملًا أساسيًا في الحد من الضغوط المعيشية، فيما تزداد حساسية الأسر لأي ارتفاع جديد مع دخول أشهر البرد. أما بالنسبة إلى العائلات التي تعيش في المناطق الأكثر برودة، فإن أي زيادة في أسعار المحروقات تعني عبئًا إضافيًا يصعب تجنّبه، إذ ترتبط التدفئة بظروف العيش الأساسية لا بمجرد خيار يمكن الإستغناء عنه بسهولة.
الغذاء والتدفئة.. منافسة داخل ميزانية واحدة
التحدي الحقيقي أمام العائلات اللبنانية لا يكمن في ارتفاع سعر سلعة واحدة، بل في تزامن مجموعة من النفقات الأساسية خلال فترة زمنية قصيرة. فشراء المازوت أو الغاز، وتأمين الطعام، ودفع فواتير الكهرباء، وتغطية تكاليف النقل والمدارس، كلها احتياجات تتنافس على دخل محدود. وتكشف الدراسة نفسها أن أسعار الخضار إرتفعت بنسبة 20.6%، والدجاج بنسبة 9% ضمن الفترة التي تناولتها، في مقابل انخفاض أسعار بعض السلع الأخرى، ما يبيّن أن حركة الأسعار ليست موحّدة، وأن كلفة المعيشة تتأثر أيضًا بطبيعة المنتجات ومواسمها. ولا تقتصر هذه المعادلة على تأمين التدفئة وحدها، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة المنزلية، ففي أحد القرى البقاعيّة تجد ربّة منزل نفسها بحسب ما أشارت في مقابلة خاصة للموقع أمام سلسلة من الإلتزامات المتزامنة. فمع اقتراب الشتاء، تحاول الموازنة بين تأمين مصادر التدفئة، وشراء مونة الشتاء من المواد الغذائية الأساسية، وتسديد الأقساط المدرسية التي دفعتها لتعليم أبنائها، وسط خشية من ألا يكفي الدخل لتغطية جميع هذه النفقات. وتعكس هذه المخاوف حجم الضغوط التي تواجهها الأسر، خصوصًا أن الاستعداد للشتاء يتطلب مصاريف إضافية تأتي في وقت لا تزال فيه الالتزامات اليومية قائمة. وبين الرغبة في توفير احتياجات المنزل وضمان استقرار الأبناء التعليمي، تصبح إدارة الميزانية العائلية مهمة شاقة تتطلب المفاضلة بين أولويات لا يمكن الإستغناء عنها بسهولة. وأمام هذا الواقع، قد تلجأ بعض الأسر إلى تقنين استخدام وسائل التدفئة، أو شراء كميات أقل من المحروقات، أو البحث عن بدائل أرخص. غير أن هذه الخيارات، وإن خففت الضغط على الميزانية، لا تلغي المشكلة الأساسية المتمثلة في اتساع الفجوة بين الدخل والنفقات الضرورية.
يلجأ المواطن عادةً إلى المقارنة بين الأسعار، وشراء احتياجاته تدريجيًا، وترشيد إستهلاك الطاقة، والإستفادة من العروض المتاحة. وهي خطوات قد تساعد في إدارة المصروف، لكنها تبقى محدودة الفاعلية إذا استمرت الضغوط على الأسعار والدخل. في المقابل، تبرز أهمية الرقابة على الأسواق، وتعزيز الشفافية في تسعير السلع والمحروقات، ومراقبة أي ممارسات إحتكارية أو زيادات غير مبررة. كما تزداد الحاجة إلى سياسات إجتماعية أكثر إستهدافًا للفئات الأكثر هشاشة، بما يضمن وصول المساعدات إلى الأسر التي تواجه صعوبة فعلية في تأمين احتياجاتها الأساسية. ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن ضرورة دعم القدرة الشرائية وخلق فرص عمل مستقرة، لأن معالجة الأعباء الموسمية وحدها لا تكفي إذا بقيت جذور الأزمة المعيشية قائمة. وبين الإجراءات التي يستطيع المواطن إتخاذها ضمن إمكاناته المحدودة، والحلول التي يُفترض أن توفرها السياسات الإقتصادية والإجتماعية، تبقى الأسر أمام تحدّي تأمين احتياجاتها الأساسية بأقل كلفة ممكنة، من دون أن يكون ذلك على حساب صحتها أو استقرارها المعيشي أو تعليم أبنائها.
شتاء على المحك
بين برودة الطقس وحرارة الأسعار، يقف اللبناني أمام شتاء لا يُقاس فقط بكمية الأمطار أو درجات الحرارة، بل بمدى قدرته على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة بكرامة. فالأرقام الاقتصادية ترسم جانبًا من المشهد، لكن الجانب الآخر يظهر في قرارات يومية تتخذها الأسر بين تشغيل المدفأة وشراء حاجاتها الغذائية، وبين الإنفاق على الضروريات وتأجيل ما يمكن تأجيله. وفي الكرك البقاعية، كما في غيرها من القرى والمناطق اللبنانية، تختصر المخاوف من كلفة المحروقات والبحث عن بدائل للتدفئة جانبًا من القلق الذي يرافق العائلات مع اقتراب الشتاء. وفي المقابل، تجد ربّات المنازل أنفسهن أمام مسؤولية تأمين مونة الموسم والتدفئة ومصاريف تعليم الأبناء، في وقت تتزايد فيه الأعباء وتتقلّص فيه الخيارات المتاحة. ومع اقتراب الأشهر الأبرد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الأسواق والسياسات الإقتصادية والإجتماعية في تخفيف عبء الشتاء، أم يجد اللبناني نفسه مرة جديدة مضطرًا إلى التكيّف مع البرد بقدر ما تسمح به جيوبه؟




