ذكاء إصطناعي يدير غرف الأخبار

تحرير: أحمد شرف الدين
لم تعد غرفة الأخبار المؤتمتة خيالًا تقنيًا، بل واقعًا يتنفس على ضفتي الأطلسي. في الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا وكرواتيا، إنطلقت مشاريع إعلامية بُنيت كليًا حول وكلاء أذكياء يرصدون المصادر، ويبحثون، ويكتبون، ويدققون، ويتخذون القرار التحريري أحيانًا.
تقرير جديد لمعهد رويترز لدراسة الصحافة، إستند إلى حوارات مع خمسة من رواد هذه التجربة، يضع حدًا فاصلًا بين هذه المنصات ومواقع التجميع التقليدية. فهي لا تكتفي بإعادة النشر، بل تحاكي العملية التحريرية ذاتها، وإن تفاوت حضور البشر فيها تفاوتًا كبيرًا، من مراجعة كل سطر إلى ترك الدفة كاملةً تقريبًا للآلة. وتشير قاعدة بيانات GENDex التي أسستها الصحافية الأوكرانية كاتيا غورشينسكايا إلى رصد نحو 30 منصة من هذا الطراز حول العالم.
في الولايات المتحدة، كان موقع RuntimeWire الذي أسسه التقني رايان ميركيت في أيار (مايو) الماضي صاحب السبق. فمن خلال عرضه المباشر في مؤتمر بلاك هات للأمن السيبراني في لاس فيغاس، إلتقط نظامه إفصاحًا عن خروج أكثر من 1200 وكيل ذكي داخل شركة أوبن إيه آي عن السيطرة وتواصلهم فيما بينهم لاختراق منصة هاغينغ فيس ذاتيًا. طابق النظام هوية المتحدثين مع الوثائق وسجلات الحوادث، ونُشرت القصة بعد 6 دقائق فقط، قبل مجلة وايرد بثلاث ساعات. يقول ميركيت: "البنية جاهزة قبل المعلومة، لكننا نحجب أي قصة تكون أدلتها ضعيفة ". هو رئيس التحرير، وكل القصص تحمل توقيعه لأنه المسؤول عن معايير النظام وضوابطه. "إذا كانت القصة خاطئةً أو مضللةً، فإصلاحها مسؤوليتي".
إلى إيطاليا، ذهب موقع Redazione Zero إلى أقصى الطرف. هناك وكيلان، أحدهما بأنموذج من أنثروبيك والآخر من أوبن إيه آي، يجمعان الأخبار كل صباح بشكل مستقل، ثم يختار النظام ويكتب وفق ميثاق معلن، وتدققه أنظمة تحقق تمنع النشر إذا اكتُشف خطأ. حتى الإفتتاحية يكتبها محرر آلي. ناشره إميليو سالميري وضع القواعد لكنه لا يراجع قبل النشر. قراره صارم: حظر تغطية الجرائم والمحاكم، ومنع النصائح الطبية، واشتراط مصدرين مستقلين عادةً، مع حق الإعتراض للقراء والرد خلال 48 ساعة. يقول: "النظام يكتب، لكنه لا يحكم على سلوكه. القرار للنظام والعواقب أتحملها أنا ".
وفي كرواتيا، ولد موقع Moj Kraj أي "منطقتي" من فراغ الأخبار المحلية. أسسه مهندس البرمجيات تيهومير ياوك ليغطي أكثر من 124 بلدة عبر مسح ألفي مصدر صغير، من مواقع بلديات وخدمات وطقس. الفكرة بسيطة كما يقول: "المواقع الكبرى لا تملك الوقت للقرى الصغيرة، وهنا يأتي دورنا". كل مسودة تُقيّم رقميًا، فإذا انخفضت درجة الحياد عن 80% لا تُنشر، لذا لا يخرج سوى 20 إلى 30 مقالًا من نحو 100 مسودة يوميًا.
النموذج نفسه يتكرر في توسون بولاية أريزونا، حيث أطلق الصحافي نيكولاس دي ليون موقع Tucson Daily Brief في مدينة لم يبق فيها سوى صحيفة واحدة. مستويان للنشر: الروتيني آليًا، والحساس يدويًا. وطور "مراسلًا آليًا" يسجل اجتماعات المجالس المحلية ويفرّغها بنسبة جاهزية تصل إلى 90%، مع بودكاست بصوته المستنسخ وقناة تيك توك بالإسبانية بمذيعة إفتراضية. الهدف كما يقول ليس الإستيلاء على وظيفة أحد، بل سد ثغرة.
وفي كندا، أعاد الذكاء الإصطناعي صحيفةً من الموت. فبعد إفلاس مجموعة Métro Média عام 2023 وتوقف أكثر من 30 منصة منها Journal Métro، إشترى رجل الأعمال بيير أنطوان فراديه الحقوق وأعاد إطلاقها بكلفة أقل. لم يوظف سوى إنسان واحد هو أوليفييه روبيشو، الصحافي السابق الذي فقد عمله قبل الإفلاس بعام، ليصبح رئيس التحرير. الآلة ترصد البيانات وتكتب المسودات، وهو يتحقق ويضيف السياق والرأي الآخر. "الآلة تتولى السهل ليتفرغ الصحافي من لحم ودم للصعب"، يقول روبيشو، الذي ينجز 20 إلى 25 خبرًا بسيطًا ويحتفظ بوقته للتحقيق الأصلي.
رويترز يطرح الأسئلة المقلقة: هل تلوث هذه التجارب الفضاء المعلوماتي؟ وماذا عن الوظائف؟ الجميع يعترف بأخطاء، حتى Redazione Zero نشر أربعة تصحيحات قادت كلها إلى ضوابط جديدة. يلخصها سالميري بجملة: "ما أستطيعه أن أجعل كل خطأ مرئيًا، وأن يترك ندبةً في الآلة ". ويتفق المؤسسون أن الآلة لا تغني عن الصحافي الذي يبني المصادر وينزل إلى الميدان. كما يختصرها ميركيت: المستقبل ليس غرفةً فارغةً تنتج صفحات بلا نهاية، بل غرفة تحمل فيها الآلات العبء الميكانيكي، ويُطالَب فيها البشر بمعايير أعلى.



