صندوق النقد يحذّر من "الاطمئنان المفرط" في الأسواق: الذكاء الاصطناعي والديون والهجمات السيبرانية تهدد الاستقرار المالي

حذّر صندوق النقد الدولي من مخاطر الاطمئنان المفرط إلى قدرة الأسواق المالية العالمية على الصمود، رغم استمرار تماسكها في مواجهة الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية، مشيراً إلى أن تصحيحاً حاداً في أسعار الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أو ارتفاعاً مفاجئاً في عوائد السندات الحكومية، أو هجوماً سيبرانياً واسع النطاق، قد يشكل شرارة اضطراب مالي يمتد عبر الأسواق والاقتصادات.
وفي تقريره نصف السنوي عن الاستقرار المالي العالمي الصادر الثلاثاء، نبّه الصندوق إلى أن المخاطر لا تزال مرتفعة، على الرغم من أن الأسواق أظهرت قدرة على استيعاب الضغوط حتى الآن. وأكد أن هذه التهديدات لا تؤدي بالضرورة، كل على حدة، إلى تقويض الاستقرار المالي، لكنها قد تتحول إلى مخاطر نظامية إذا تفاعلت مع مواطن ضعف قائمة في النظام المالي العالمي وتسببت في تضخيم آثار الصدمات.
ويأتي التحذير في وقت تواجه فيه الأسواق مزيجاً معقداً من التحديات، يشمل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد أعباء الدين العام، وعدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية، فضلاً عن التوسع السريع في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أبرز محركات الاستثمار والنمو، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر متزايدة على الاستقرار المالي.
الذكاء الاصطناعي بين محرك للنمو ومصدر لاضطراب الأسواق
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ساعدت حتى الآن على تعويض بعض الضغوط التي تثقل النشاط الاقتصادي، ولا سيما تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وحالة عدم اليقين المحيطة بالسياسات الاقتصادية. غير أن الصندوق لفت إلى تزايد المؤشرات على احتمال ألا تتطلب قدرات الذكاء الاصطناعي المستقبلية استثمارات بالحجم المتوقع حالياً، أو ألا تحقق المكاسب الاقتصادية والإنتاجية التي تعوّل عليها الأسواق والشركات.
ويثير هذا الاحتمال مخاوف من إعادة تقييم واسعة لتوقعات الأرباح والنمو في الشركات المرتبطة بهذه التكنولوجيا. فإذا تباطأ الزخم الاستثماري، أو تراجعت التوقعات بشأن العوائد المستقبلية، فقد تتعرض أسعار الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لتصحيح حاد، مع احتمال انتقال التداعيات إلى قطاعات وأسواق أوسع، بدلاً من اقتصارها على شركات التكنولوجيا.
وتزداد خطورة هذا السيناريو بفعل تنامي الاقتراض والرافعة المالية في قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن أن يؤدي تراجع الأسعار إلى ضغوط تدفع المستثمرين إلى بيع أصولهم بصورة قسرية لتغطية التزاماتهم، بما يفاقم التقلبات ويزيد حدة الهبوط.
وضرب الصندوق مثالاً على اتساع حضور الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، المعروفة باسم «هايبرسكيلرز» (Hyperscalers)، في أسواق الدين. فقد باتت هذه الشركات تمثل 10% من إصدارات السندات العالمية ذات التصنيف الاستثماري، بعدما كانت حصتها أقل من 1% في عام 2024.
ويعكس هذا التحول تزايد أهمية الشركات العاملة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل أسواق التمويل، لكنه يعني أيضاً أن أي تراجع كبير في توقعات أرباحها أو قدرتها على خدمة ديونها قد تكون له انعكاسات تتجاوز القطاع التكنولوجي.
وحذّر الصندوق من أن تداعيات أي تصحيح في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تكون عالمية، داعياً صانعي السياسات إلى الحد من الاستخدام المفرط للرافعة المالية، بما يشمل المشتقات المالية والقروض الممنوحة للمستثمرين مقابل ضمانات مرتبطة بمحافظهم الاستثمارية، المعروفة باسم قروض الهامش.
وتكمن المخاطر في أن تراجع أسعار الأصول قد يدفع المؤسسات والمستثمرين الذين يعتمدون على الاقتراض إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية بسرعة، ما يزيد ضغوط البيع ويحوّل تصحيحاً محدوداً في البداية إلى اضطراب أوسع في الأسواق المالية.
عوائد السندات الحكومية تزيد الضغوط على الأسواق
في موازاة مخاطر الذكاء الاصطناعي، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن المخاطر المرتبطة بأسواق السندات تفاقمت منذ تقريره الصادر في أبريل/نيسان، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وصعود عوائد السندات الحكومية.
ويثير ارتفاع العوائد مخاوف متعددة، إذ قد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن زيادة تكاليف الطاقة. ومن شأن تشديد السياسة النقدية أن يزيد كلفة الاقتراض، ويضع ضغوطاً إضافية على الحكومات التي تحتاج إلى إعادة تمويل ديونها المستحقة، ولا سيما الديون قصيرة الأجل.
وكلما ارتفعت أسعار الفائدة، ازدادت كلفة إصدار ديون جديدة أو تجديد الديون القائمة، ما قد يفاقم أعباء خدمة الدين ويضيّق هامش المناورة أمام الحكومات في إدارة موازناتها وتمويل الإنفاق العام.
ولا تقتصر المخاطر على قرارات البنوك المركزية، إذ يمكن أن يسهم سلوك المستثمرين الأكثر حساسية لتغيرات الأسعار في دفع العوائد إلى مستويات أعلى. ففي بيئة تتسم بتقلبات متزايدة، قد يطالب هؤلاء المستثمرون بعوائد أكبر للتعويض عن المخاطر، أو يقلّصون حيازاتهم من السندات، بما يضيف ضغوطاً صعودية على العوائد.
وحذّر الصندوق من أن اجتماع هذه العوامل قد يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ وحاد في عوائد السندات، خصوصاً في ظل وصول الدين السيادي إلى مستويات تاريخية مرتفعة، واستمرار العجوزات المالية غير المعالجة في اقتصادات رئيسية.
ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة لأن ارتفاع العوائد لا يقتصر أثره على الحكومات، بل يمتد إلى تكاليف التمويل في الاقتصاد عموماً، إذ يمكن أن يرفع كلفة الاقتراض على الشركات والأسر، ويضغط على الاستثمار والاستهلاك، ويزيد احتمالات تباطؤ النشاط الاقتصادي.
ومع ذلك، أشار الصندوق إلى أن أسواق السندات تمكنت حتى الآن من التعامل مع الضغوط بصورة جيدة. فقد استطاعت صناديق التحوط تقليص بعض اقتراضها عبر اتفاقيات إعادة الشراء، المعروفة باسم «الريبو» (Repo)، من دون التسبب في اضطرابات كبيرة في أسواق هذه الاتفاقيات.
وتُستخدم اتفاقيات إعادة الشراء على نطاق واسع في تمويل حيازة الأوراق المالية، ولذلك فإن حدوث اضطرابات فيها قد يؤثر في سيولة الأسواق وقدرة المؤسسات على تمويل مراكزها الاستثمارية. ويرى الصندوق أن قدرة الأسواق على امتصاص الضغوط حتى الآن لا تلغي المخاطر الناجمة عن ارتفاع الدين العام واستمرار الاختلالات المالية.
ودعا الحكومات إلى وضع ديونها العامة على مسار مستدام، في إشارة إلى ضرورة معالجة العجوزات المالية وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات، بدلاً من الاعتماد على استمرار الظروف التمويلية المواتية.
الهجمات السيبرانية تهدد الثقة بالنظام المالي
فتح التطور التكنولوجي المتسارع، إلى جانب اعتماد المؤسسات المالية والشركات على عدد محدود من مزوّدي الخدمات التقنية الحيوية، جبهة إضافية من المخاطر التي قد تهدد الاستقرار المالي، وفق تقرير صندوق النقد الدولي.
وحذّر الصندوق من أن تركز الخدمات الرقمية والبنية التحتية التقنية لدى عدد محدود من المورّدين يزيد صعوبة حماية الأنظمة المالية، إذ قد يؤدي اختراق أحد هؤلاء المورّدين إلى تعريض عدد كبير من المؤسسات للخطر في وقت واحد.
وأشار التقرير إلى أنه في أكثر من 70% من الحالات المسجلة حتى الآن خلال عام 2026، لم يتوفر لمزوّدي البرمجيات سوى وقت ضئيل للغاية، أو لم يتوفر لهم أي وقت تقريباً، لتحديث البرامج وإصلاح الثغرات الأمنية قبل استغلالها من المهاجمين. وتمثل هذه النسبة زيادة قدرها 20 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق.
وتسلّط هذه الأرقام الضوء على اتساع الفجوة بين سرعة تطور التهديدات السيبرانية وقدرة المؤسسات على اكتشاف الثغرات وإصلاحها قبل أن تتحول إلى نقاط اختراق فعلية.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تعزيز الدفاعات الرقمية واكتشاف التهديدات بصورة أسرع، فإن الصندوق حذّر في الوقت نفسه من أن النماذج المتقدمة لهذه التكنولوجيا قد تجعل الهجمات السيبرانية أكثر تطوراً وتعقيداً، بما يزيد صعوبة رصدها والتصدي لها.
ولا تكمن الخطورة في الخسائر التشغيلية المباشرة الناجمة عن الاختراقات فحسب، بل في احتمال أن يؤدي هجوم كبير يستهدف خدمة حيوية أو مؤسسة مالية إلى تقويض الثقة في النظام المالي. وفي مثل هذه الحالات، يمكن أن تنتقل تداعيات الهجوم بسرعة إلى الأسواق، سواء عبر تعطيل العمليات المالية أو إثارة مخاوف المستثمرين والمودعين بشأن سلامة المؤسسات وقدرتها على مواصلة العمل.
ودعا الصندوق صانعي السياسات إلى تعزيز قدرات الأمن السيبراني، وتشديد الرقابة على مورّدي التكنولوجيا الخارجيين، بما يحد من المخاطر الناجمة عن الاعتماد على أطراف ثالثة في تشغيل الأنظمة والخدمات المالية الأساسية.
ويبرز هذا التحذير أهمية التعامل مع الأمن السيبراني باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة الاستقرار المالي، لا مجرد مسألة تقنية داخل المؤسسات، نظراً إلى قدرة أي خلل واسع النطاق على الانتقال من البنية التحتية الرقمية إلى الثقة بالأسواق والنظام المالي ككل.
اختبارات الضغط تكشف مواطن ضعف لدى بعض البنوك
على صعيد القطاع المصرفي، أظهرت نماذج اختبارات الضغط التي أجراها صندوق النقد الدولي أن هوامش رأس المال لدى البنوك لا تزال متينة في المجمل، حتى في ظل سيناريو افتراضي يجمع بين تباطؤ الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وهشاشة أسواق السندات.
لكن النتائج كشفت في الوقت نفسه عن وجود بؤر ضعف داخل النظام المصرفي العالمي، إذ تبيّن أن بنوكاً تمثل 22% من إجمالي الأصول المصرفية العالمية تمتلك مستويات رأسمال ضعيفة وفق الاختبارات، مقارنة بنسبة 18% في اختبار عام 2025.
ويعني ذلك ارتفاع حصة الأصول المصرفية التابعة لمؤسسات قد تواجه صعوبات أكبر في امتصاص الخسائر إذا تدهورت الظروف الاقتصادية والمالية. ولا يشير هذا التقييم بالضرورة إلى أن هذه البنوك ستتعرض لأزمة، لكنه يكشف عن تفاوت في قدرة المؤسسات على مواجهة الصدمات، ويؤكد أن متانة القطاع المصرفي إجمالاً لا تعني غياب مواطن الضعف.
وتكتسب هذه النتائج أهمية في ضوء تداخل المخاطر التي حددها الصندوق: فتراجع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي قد يضغط على أسعار الأصول، وارتفاع عوائد السندات قد يزيد تكاليف التمويل ويضعف قيمة بعض حيازات المؤسسات المالية، فيما قد تؤدي الهجمات السيبرانية إلى تعطيل الخدمات وتقويض الثقة.
وفي حال تزامنت هذه التطورات، فقد تواجه المؤسسات المالية ضغوطاً متزامنة على السيولة والتمويل وجودة الأصول، بما يجعل الاستعداد المسبق وإدارة المخاطر أكثر أهمية.
الاستقرار المالي يتطلب الاستعداد قبل وقوع الصدمات
تعكس تحذيرات صندوق النقد الدولي مفارقة أساسية في المشهد المالي العالمي: فالعوامل التي تدعم النمو والاستثمار، وفي مقدمتها طفرة الذكاء الاصطناعي، قد تتحول إلى مصدر للمخاطر إذا بالغت الأسواق في تقدير العوائد المستقبلية أو توسعت الشركات والمستثمرون في الاقتراض لتمويل رهاناتهم.
وفي الوقت نفسه، يزيد ارتفاع الدين العام وحساسية الأسواق لتغيرات أسعار الفائدة من احتمالات انتقال الصدمات بين الحكومات والمؤسسات المالية والاقتصاد الحقيقي، بينما يضيف الاعتماد المتزايد على البنية التحتية الرقمية بُعداً جديداً للمخاطر يتمثل في الهجمات السيبرانية.
ولا يرى الصندوق أن هذه التهديدات ستؤدي حتماً إلى أزمة مالية، لكنه يحذّر من أن تفاعلها مع نقاط الضعف القائمة قد يضاعف آثارها ويحوّل أحداثاً تبدو محدودة في البداية إلى اضطرابات واسعة النطاق.
وبناءً على ذلك، يدعو التقرير إلى مراقبة مؤشرات الهشاشة المالية، والحد من الاستخدام المفرط للرافعة المالية، وإعادة الدين العام إلى مسار مستدام، وتعزيز الرقابة على مزوّدي التكنولوجيا، ورفع جاهزية المؤسسات المالية لمواجهة الهجمات السيبرانية.
والرسالة الأساسية التي يوجهها صندوق النقد إلى صانعي السياسات والأسواق هي أن الصمود الذي أظهره النظام المالي حتى الآن لا يبرر الاطمئنان المفرط؛ فالحفاظ على الاستقرار يتطلب معالجة مواطن الضعف قبل أن تتزامن الصدمات وتتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.




