مخاوف السيادة الرقمية: قرار المملكة المتحدة بسباق السحاب يتصادم مع الضغوط السياسية

تواجه المملكة المتحدة تحذيرات برلمانية متزايدة بشأن اعتماد خدماتها العامة على شبكات السحابة الأميركية الكبرى. وفي حين تسعى الحكومة لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، يخشى مراقبون من تداعيات قانون الكلاود الأميركي على بيانات المواطنين.
تتسارع وتيرة تحول القطاعات الحيوية في المملكة المتحدة نحو الاعتماد على الخدمات السحابية الخارجية، مما أثار موجة من القلق لدى المشرعين البريطانيين بشأن مدى سلامة واستقلالية البنية التحتية للبلاد. يأتي هذا في وقت تصطدم فيه الطموحات الحكومية في مجال الذكاء الاصطناعي بمعارضة مجتمعية وسياسية محلية لبناء مراكز البيانات.
تستثمر القطاعات الحكومية البريطانية ما يقارب مليار جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار) سنوياً في الخدمات السحابية. وتستحوذ شركتا "إيه بي إس" التابعة لأمازون وميكروسوفت على نحو 80% من المشتريات السحابية الحكومية. وقد شملت التطورات الأخيرة إبرام هيئة الإيرادات والجمارك عقداً بقيمة 473 مليون جنيه إسترليني مع "إيه بي إس" لمدة عشر سنوات لإدارة بيانات الضرائب، بالإضافة إلى صفقة بقيمة 400 مليون جنيه إسترليني بين وزارة الدفاع و"جوجل كلاود" لتعزيز الاتصالات الأمنية، إلى جانب نقل هيئات الرعاية الصحية الوطنية لسجلات المرضى نحو السحب الأميركية.
تصاعدت التحذيرات من أبعاد التشريعات الأميركية الممتدة عبر الحدود، وتحديداً "قانون الكلاود" الأميركي. وأوضحت تشي أونورا، رئيسة لجنة العلوم والابتكار والتكنولوجيا في البرلمان البريطاني، في تصريحات لنشرة بلومبرغ، أن هذا القانون يمنح السلطات الأميركية القدرة القانونية على تعطيل الخدمات أو المطالبة بالبيانات الشخصية. وفي سياق متصل، أشار جيمس بينفورد، مدير عام الإحصاءات الاقتصادية بالمكتب الوطني للإحصاء، إلى أن هيمنة مزودي السحابة تشكل مخاطر احتكار أشد من تلك التي يطرحها قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه.
يتطلب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرات معالجة هائلة؛ حيث صرح وزير الذكاء الاصطناعي كانيشكا ناريان بأن المملكة بحاجة إلى زيادة طاقتها الحالية بنحو ستة أضعاف لتلبية المتطلبات الأساسية. إلا أن هذا التوسع يواجه عقبات ميدانية؛ إذ أوقفت الحكومة الإسكتلندية مؤخراً 24 مشروعاً لمراكز بيانات ضخمة استجابة لرفض شعبي، وهو ما يعكس قلق الشارع البريطاني من تسليم بياناته الصحية والخاصة لجهات خارجية.
على النقيض من ذلك، اتخذت دول أوروبية خطوات جادة نحو استقلالية بياناتها. فقد استبدلت فرنسا منصة "ميكروسوفت أزير" بـ "سكيل واي" المحلية لاستضافة البيانات الصحية، بينما اتجهت ولاية شليسفيغ هولشتاين الألمانية نحو الحلول مفتوحة المصدر. ورغم أن إيرادات الشركات الأوروبية مثل "أو في إتش كلاود" (حوالي مليار يورو) تبدو ضئيلة مقارنة بإيرادات "إيه بي إس" البالغة 128 مليار دولار، إلا أن المفوضية الأوروبية تواصل تطوير قانون تطوير السحابة والذكاء الاصطناعي لدعم السيادة الرقمية.
من جانبه، أكد متحدث باسم الحكومة البريطانية العمل على تحسين طرق إدارة المشتريات السحابية وتقليل الاعتماد على مورد واحد. وشددت الوزارات المعنية (الهيئة الضريبية، الدفاع، والصحة) على أن البيانات مخصصة داخل مراكز بيانات محلية وتخضع لقوانين الحماية البريطانية، دون أن تقدم إجابات مباشرة حول كيفية التعامل مع صلاحيات قانون الكلاود الأميركي.



