بين رهانات الذكاء الاصطناعي وركود الاستهلاك: شروخ عميقة تقسم الأسواق المالية الصينية

تعكس حالة الجمود التي تعاني منها أسهم الشركات الاستهلاكية في الصين اختلالاً هيكلياً في الاقتصاد المحلي، حيث يواصل التوجه الحكومي نحو تحقيق السيادة التكنولوجية تعزيز قطاع الصادرات وضخ الأموال في شركات الذكاء الاصطناعي، مقابل انحسار القوة الشرائية للمستهلكين. وفي الوقت الذي تضاعفت فيه مؤشرات قطاع التكنولوجيا الغني بشركات الذكاء الاصطناعي مقارنة بمستوياتها عام 2016، تراجعت مؤشرات أسهم السلع الاستهلاكية ضمن مؤشر "إم إس سي أي الصين" بنحو 18% خلال الأشهر الستة الماضية، لتهوي إلى مستويات قريبة من أدنى معدلاتها خلال عقد من الزمان.
وقد كشفت نتائج الأعمال الأخيرة عن حجم هذه الفجوة؛ إذ أظهرت البيانات التي جمعتها "بلومبرغ" أن أرباح شركات السلع الاستهلاكية الأساسية في مؤشر "إم إس سي أي" جاءت دون التوقعات بنسبة 47%، فيما سجلت شركات السلع غير الأساسية إخفاقاً بنحو 10%، وذلك على عكس الأداء القوي لشركات التكنولوجيا والقطاع الصناعي. وظهر هذا التراجع بوضوح في نتائج شركات بارزة؛ حيث انخفض الصافي الربحي لشركة "كويتشو موتاي" لإنتاج المشروبات خلال النصف الأول، ووصف مسؤولو شركة "شيدي سبيرتس" القطاع بأنه يمر بـ "تعديل عميق"، بينما رصدت مجموعة "نانجينغ سينترال إمبوريم" للمتاجر انخفاضاً في أعداد الزوار ومستويات الإنفاق.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة بالنظر إلى ضعف المؤشرات الاقتصادية العامة، حيث اقتصر نمو مبيعات التجزئة في أغسطس على 0.4% فقط. ونقلت "بلومبرغ" عن تشين شي، مدير الصناديق في شركة "شانغهاي جيد ستون إينفيستمنت مانجمنت"، أن البيانات الاقتصادية لهذا الصيف بددت أي آمال بشأن تعافي الإنفاق، مؤكداً أن الرهان الفعلي ما زال منصباً على الصادرات. وأضاف أن هذا الوضع خلق أثراً طارداً للسيولة، حيث ركز المستثمرون استثماراتهم في الشركات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، مقابل بيع عشوائي لأسهم القطاع الاستهلاكي. كما أشار إلى أن إعادة بناء ثقة المستهلك تتطلب إجراءات مثل تثبيت أسعار الأصول وتحسين آفاق نمو الأجور ورفع الحد الأدنى للدخل، وإن كان أي تحسن سيكون تدريجياً.
وقد دفعت هذه البيئة صناديق الاستثمار والنشطة إلى تحويل محفظتها المالية نحو التكنولوجيا، وهو ما انعكس أيضاً في تدفقات الاستثمار نحو الصناديق المتداولة في البورصة. وفي هذا السياق، أوضحت ويني وو، رئيسة استراتيجية الأسهم لآسيا والمحيط الهادئ في "بنك أوف أمريكا"، أن عزوف المستثمرين عن الأسهم الاستهلاكية لصالح الذكاء الاصطناعي يتماشى مع توجه عالمي، مضيفة أن الضغوط المحلية كالتشديد الضريبي تزيد من الأعباء المالية على الأسر والشركات. ورغم أن التقييمات المنخفضة قد تجذب بعض الاهتمام مؤقتاً—حيث تتداول أسهم السلع غير الأساسية والأساسية عند 11 و13 ضعف أرباحها المستقبلية مقارنة بـ 21 ضعفاً لقطاع التكنولوجيا—إلا أن استمرار تراجع العقارات يلقي بظلاله على القطاع.
ومع غياب تحفيز حكومي قوي للإنفاق، تظل الآفاق المستقبلية للقطاع الاستهلاكي محاطة بالشكوك. وبحسب تصريحات شين مينغ، المدير في بنك الاستثمار "شانسون أند كو" لـ "بلومبرغ"، فإن القطاع الاستهلاكي يفتقر إلى محفزات قوية في ظل التباطؤ الاقتصادي الممتد، مؤكداً أن فرص النمو الأقوى تكمن في قطاع التكنولوجيا، بينما تظل الأسهم الاستهلاكية عالقة بين ضعف المؤشرات الأساسية وتحول رؤوس الأموال إلى قطاعات أخرى.




