Contact Us
Ektisadi.com
تعليم وثقافة

عودة عصر الخطابة مع تراجع القراءة وصعود المحتوى الصوتي والمرئي

13 سبتمبر 2026 | 04:09 م
كتاب مفتوح بجانب هاتف  وميكروفون بودكاست ai

أعاد انتشار مقاطع الفيديو والبودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي الكلمة المنطوقة إلى صدارة المشهد الإعلامي والسياسي، بعدما أمضى العالم قروناً في الاتجاه نحو النص المكتوب باعتباره الوسيلة الأساسية لنقل الأفكار والمعرفة، بحسب ذي إيكونوميست.

وتبرز هذه العودة بوضوح في صعود شخصيات سياسية وإعلامية تعتمد على الحديث المباشر والتفاعل مع الجمهور بدلاً من المقالات والخطابات المكتوبة بعناية. وكان الناشط المحافظ تشارلي كيرك، الذي قُتل بالرصاص قبل عام، أحد أبرز الأمثلة على هذا الأسلوب، إذ بنى جزءاً كبيراً من حضوره على مناظرات مباشرة مع طلاب الجامعات وجمهور الشباب.

وتنظم مجموعة تيرنينغ بوينت يو إس إيه، التي أسسها كيرك، تجمعاً في 10 أيلول/سبتمبر قرب جامعة وادي يوتا، حيث قُتل، في الذكرى السنوية لمقتله. ويأتي التجمع ضمن سلسلة فعاليات جامعية نظمتها المجموعة التي تسعى إلى استقطاب الشباب والتأثير في النقاشات السياسية داخل الجامعات.

ولم يقتصر تأثير كيرك على القضايا التي دافع عنها، بل عكس أسلوبه تحولاً أوسع في طريقة استهلاك الجمهور للمحتوى. فالأفكار التي كانت تنتشر عبر عناوين الصحف والمقالات والأعمدة باتت تصل إلى الجمهور من خلال مقاطع قصيرة وتسجيلات صوتية ومحادثات طويلة عبر الإنترنت.

ويعيد هذا التحول نمطاً من التواصل كان سائداً قبل انتشار الطباعة والتعليم على نطاق واسع. ففي المجتمعات التي كانت الكتب فيها نادرة ومكلفة، اعتمد نقل الأخبار والأفكار بدرجة كبيرة على الخطابة، قبل أن تغير الطباعة وانتشار القراءة طريقة وصول المعلومات إلى الجماهير، وتدفع السياسيين والمفكرين نحو المنشورات والمقالات والكتب.

وتظهر مؤشرات عدة على أن هذا المسار بدأ يتراجع. إذ تتزايد المخاوف بشأن انخفاض معدلات القراءة، فيما يجد الأهل صعوبة في تشجيع أطفالهم على قراءة الكتب، ويواجه الأساتذة الجامعيون تراجع اهتمام الطلاب بقوائم القراءة الطويلة. ويشير المقال إلى أن أكثر من نصف البالغين الأميركيين قالوا إنهم لم يقرأوا كتاباً واحداً للمتعة خلال العام الماضي.

ويفسر الصحفي جيمس ماريوت في كتابه «العصور المظلمة الجديدة» جانباً من هذا التحول، محملاً الهواتف الذكية مسؤولية كبيرة عن استنزاف انتباه المستخدمين. فالكتابة، وفق الفكرة التي يستند إليها، سمحت للبشر بإخراج أفكارهم من نطاق التفكير الداخلي ووضعها في نص يمكن تنظيمه وتحليله ومراجعته، ما ساعد على تطوير أشكال أكثر تعقيداً من التفكير.

لكن التواصل الشفهي يعمل بطريقة مختلفة. فالخطيب قد يكرر الفكرة نفسها أو يعود إليها من زوايا متعددة أثناء بناء حجته، وهي طريقة قد تبدو مشتتة عند قراءتها على الورق، لكنها يمكن أن تكون أكثر رسوخاً في ذهن المستمع. وقد ازدهر هذا الأسلوب مجدداً مع البودكاست، حيث تمتد بعض الحوارات لساعات ويعتمد المتحدثون على التكرار والاستطراد والتفاعل المباشر.

ويقدم كيرك مثالاً واضحاً على قوة هذا النوع من الخطاب، إذ اعتمد على الردود السريعة والمباشرة التي قد تبدو أقل إقناعاً إذا حُوّلت إلى نص مكتوب، لكنها اكتسبت تأثيراً أكبر أمام جمهور حاضر ومتفاعل. ويشير ذلك إلى أن نجاح الفكرة لا يرتبط دائماً بصياغتها المنطقية على الورق، بل أيضاً بطريقة إلقائها والبيئة التي يتلقاها الجمهور فيها.

ويمكن ملاحظة التأثير نفسه في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعتمد كثيراً على تكرار التأكيدات والعبارات القصيرة ووضع أوصاف سهلة التذكر لخصومه بدلاً من تقديم حجج طويلة ومنظمة. وقد تبدو بعض تصريحاته أقل قوة عند قراءتها مكتوبة، لكنها تحولت إلى أدوات تواصل فعالة عندما تُلقى مباشرة أمام الجمهور.

وقد يمتد هذا التحول من طريقة التواصل إلى مضمون السياسات نفسها. فالخطاب الشفهي يميل إلى الأفكار الملموسة والصور الواضحة أكثر من المفاهيم المجردة، ما قد يدفع السياسيين إلى تقديم حلول يمكن للجمهور رؤيتها وتصورها، مثل الجدران الحدودية أو المشاريع الضخمة التي تحمل دلالات سياسية واضحة.

ولا يعني تراجع القراءة أن الكتابة كانت دائماً وسيلة أكثر عقلانية أو اعتدالاً. فالصحافة القديمة شهدت بدورها مبالغات وأخطاء، كما أن المنصات الرقمية التي كانت تعتمد على النصوص، مثل تويتر في بداياته، ساهمت في نشر حملات الغضب والاستقطاب والملاحقة الجماعية.

لكن انخفاض الإقبال على النصوص الطويلة يثير قلقاً مختلفاً، لأن بعض الأفكار تحتاج إلى القراءة المتأنية حتى تُفهم بعمق. فالخطابة تستطيع تحريك المشاعر وإثارة الحماس، بينما تمنح الكتابة القارئ مساحة أكبر للتفكير والتحليل. ومع انتقال الجمهور بصورة متزايدة من الكتب والمقالات إلى المقاطع القصيرة والمحتوى الصوتي، قد لا يتغير فقط أسلوب التواصل، بل أيضاً نوع الأفكار القادرة على الانتشار والتأثير، بحسب ذي إيكونوميست.