Contact Us
Ektisadi.com
أسواق

ارتفاع عوائد السندات يعيد شبح الفائدة المرتفعة إلى الاقتصاد العالمي

13 سبتمبر 2026 | 05:42 م
عملات أميركية مكدسة تصاعديًا ai

أعادت القفزة الأخيرة في عوائد السندات الحكومية العالمية مشهد أسعار الفائدة المرتفعة إلى الواجهة، بعدما بدت عوائد بهذا المستوى بعيدة المنال قبل أقل من عقد، مع تنامي الضغوط الناجمة عن التضخم والديون الحكومية والمنافسة على رأس المال، بحسب ذي إيكونوميست.

وتجاوزت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً في 10 أيلول/سبتمبر 5.4% تقريباً، مسجلة أعلى مستوى لها منذ نحو عقدين، فيما اقترب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مؤقتاً من 4.98%، ليلامس مستويات لم تُسجل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. ولم تقتصر موجة الارتفاع على الولايات المتحدة، إذ صعدت عوائد السندات في عدد من الاقتصادات الكبرى أيضاً.

وتتلقى أسواق السندات ضغوطاً من عدة اتجاهات، أبرزها ارتفاع أسعار النفط مجدداً بعد تجدد المواجهات بين القوات الإيرانية والأميركية في الخليج. وصعد سعر خام غرب تكساس الوسيط من أقل من 70 دولاراً للبرميل في بداية تموز/يوليو إلى أكثر قليلاً من 100 دولار، ما يزيد ضغوط التضخم ويعقّد مهمة البنوك المركزية.

وتزامن ذلك مع تجاوز متوسط سعر غالون الديزل في الولايات المتحدة، في 11 أيلول، مستوى 6 دولارات للمرة الأولى، فيما أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل ارتفاع أسعار المستهلكين الأساسية، التي تستثني الطاقة والغذاء، في آب/أغسطس بوتيرة أسرع من توقعات المحللين.

وتتمثل المشكلة الأخرى في عجز حكومات كثيرة عن السيطرة على مستويات ديونها. ويبلغ عجز الموازنة الأميركية نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي رغم قوة الاقتصاد، فيما تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 9 أيلول، بدفع 5,000 دولار لكل بالغ أميركي إذا حافظ الحزب الجمهوري على سيطرته على مجلسي الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، في إنفاق محتمل تبلغ كلفته 1.2 تريليون دولار، أي نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

ورغم أن تنفيذ هذا التعهد يبدو مستبعداً، إلا أنه يعكس، وفق التحليل، اتساع الفجوة بين السياسة والواقع الاقتصادي، خصوصاً أن ترامب يدعو في الوقت نفسه إلى خفض أسعار الفائدة.

ويأتي عامل ثالث من القطاع الخاص، مع احتدام المنافسة على رأس المال لتمويل الاستثمارات الضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. فقد أدى تدفق مئات مليارات الدولارات إلى هذا القطاع إلى دعم طفرة اقتصادية ومالية تشجع الاستثمار وتحد من الادخار، بينما بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في اللجوء بصورة أكبر إلى إصدار الديون بعد اعتمادها في البداية على احتياطياتها النقدية الضخمة.

ومن المتوقع أن يبلغ حجم الديون التي يصدرها المقترضون المصنفون ضمن الدرجة الاستثمارية هذا العام 1.9 تريليون دولار، بزيادة تتجاوز الثلث مقارنة بعام 2025. وتقدّر يو بي إس أن موجة إصدار الشركات رفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 و30 عاماً بنحو 0.2 نقطة مئوية.

وفي الأول من أيلول، أعلن صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار، رغبته في خفض حصة الدين السيادي من 70% إلى 50% من حيازاته من السندات، إذا وافق البرلمان، ما سيقلص انكشافه على سندات الخزانة الأميركية بنحو 80 مليار دولار ويوجه مزيداً من رأس المال نحو القطاع الخاص.

ويحاول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت مواجهة ضغوط السوق، بعدما حذر في خطاب ألقاه في تكساس في 8 أيلول/سبتمبر من أن الرهان ضده سيكون خياراً متاحاً للمستثمرين. وفي اليوم التالي أعلنت وزارة الخزانة أنها ستعيد شراء سندات حكومية طويلة الأجل تصل قيمتها إلى 6 مليارات دولار لتعزيز سيولة هذه الأوراق، في خطوة ضاعفت حجم برنامجها الحالي لإعادة الشراء. لكن العوائد واصلت ارتفاعها.

ولا يقتصر ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة، إذ تواجه اقتصادات كبرى مشكلات مماثلة تشمل التضخم المستمر وارتفاع الدين الحكومي والمنافسة على رأس المال. وبلغ عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات 5.3%، والألمانية لأجل 10 سنوات 3.5%، وهما أعلى مستوياتهما منذ 2007 و2011 على التوالي. وفي اليابان، وصل عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 3%، وهو مستوى لم تسجله البلاد منذ 30 عاماً.

وتظهر التداعيات المباشرة لارتفاع العوائد في أسواق مالية أخرى، إذ تهدد هذه الموجة صعود الأسهم، خصوصاً أسهم شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة. فارتفاع العوائد يزيد كلفة الاقتراض على الشركات ويجعل السندات أكثر جاذبية للمستثمرين الذين قد يتجهون إليها بدلاً من الأسهم.

كما يواجه سوق الإسكان ضغوطاً متزايدة. ففي 10 أيلول، ارتفعت معدلات الرهن العقاري الأميركي الثابتة لأجل 30 عاماً إلى 7% للمرة الأولى منذ أكثر من عام، وفق أحد التقديرات.

وتثير الخسائر المحتملة لدى حائزي السندات مخاوف بشأن قدرة النظام المالي على تحمل استمرار ارتفاع العوائد. فعندما ترتفع العوائد تنخفض أسعار السندات، ما يؤدي إلى خسائر لدى المؤسسات التي تحتفظ بكميات كبيرة منها. وبرز هذا الخطر بوضوح في آذار/مارس 2023، عندما انهار بنك سيليكون فالي الأميركي المتخصص في قطاع التكنولوجيا، بعدما تكبد خسائر كبيرة في حيازاته من سندات الخزانة، إلى جانب مشكلات في إدارة المخاطر.

وبحلول نهاية حزيران/يونيو، كانت البنوك الأميركية تواجه خسائر غير محققة بلغت 327 مليار دولار، معظمها مرتبط بسندات اشتُريت قبل الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة عام 2022. ورغم أن الرقم أقل من ذروة بلغت 688 مليار دولار في وقت سابق، فإن استمرار ارتفاع العوائد قد يزيد الضغوط على الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية.

وتتحرك البنوك المركزية بدورها لمواجهة تهديد التضخم. ففي 10 أيلول، رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي من 2.25% إلى 2.5%، فيما يُتوقع أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في 16 أيلول، وبنك اليابان في 18 أيلول. وتنعكس أسعار الفائدة المرتفعة بصورة مباشرة على عوائد السندات.

وقد لا تشعر الحكومات بكامل أثر ارتفاع العوائد فوراً، إذ تحتاج الديون إلى وقت حتى تستحق، وعندها فقط تضطر الحكومات إلى إعادة تمويلها بأسعار الفائدة الجديدة والأعلى. لكن أثر هذه الزيادة سيظهر في نهاية المطاف على المالية العامة.

وبلغت فاتورة فوائد الحكومة الفيدرالية الأميركية 931 مليار دولار بين تشرين الأول وتموز، أي نحو ثلاثة أمثال مستواها في الفترة نفسها من عام 2020. ومع ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الاقتصادات الكبرى مقارنة بما كانت عليه قبل 20 عاماً، فإن استمرار الجمع بين مستويات الدين المرتفعة وأسعار الفائدة العالية قد يفرض ضغوطاً أشد على وزارات المالية ودافعي الضرائب، بحسب ذي إيكونوميست.