الطائرات المسيّرة تعيد رسم طرق حماية المدن

تكثّف الحكومات جهودها لحماية المدن من الطائرات المسيّرة، عبر اختبار وسائل متزايدة التعقيد، من شبكات مضادة للمسيّرات إلى أجهزة تشويش الإشارات، في ظل تطور هذه الأسلحة بسرعة، بحسب بلومبيرغ.
وفي مدينة خيرسون جنوب أوكرانيا، يصف أولكسندر تولكونيكوف، نائب رئيس إدارة ولاية خيرسون، واقع الهجمات اليومية بالطائرات المسيّرة الروسية، والتي أسفرت عن مقتل 65 مدنيًا وإصابة أكثر من 800 شخص خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
ومن داخل ملجأ تحت الأرض، يتحدث تولكونيكوف عن مدينة كانت تُعرف بالفواكه، ولا سيما البطيخ، لكنها باتت اليوم تشتهر بنحو 220 كيلومترًا (137 ميلًا) من الشبكات المضادة للمسيّرات ذات اللون الأخضر، والممتدة فوق طرقاتها.
شبكة فوق خيرسون لمواجهة المسيّرات
تحجب هذه الشبكات السماء وتمتلئ بالأوراق في الخريف، وهي تمثل استجابة للتطور الأخير في حرب المسيّرات، التي باتت تشمل أسلحة كبيرة مصممة خصيصًا لهذا الغرض، إلى جانب نماذج تجارية رخيصة يمكن طلبها بسهولة عبر الإنترنت وتعديلها.
وبعد 48 ساعة فقط من حديث تولكونيكوف، قتلت هجمات بطائرات مسيّرة روسية شخصًا وأصابت اثنين آخرين في المدينة. ويقول إن خيرسون كانت تتعرض لنحو 2500 هجوم بالطائرات المسيّرة أسبوعيًا في مثل هذا الوقت من العام الماضي، فيما ارتفع العدد الآن إلى نحو 5500 هجوم.
وتجسد هذه الشبكات البسيطة تحديًا أوسع بكثير: كيف يمكن حماية مدينة بأكملها من هذا الخطر الجديد؟
وتعد خيرسون، باعتبارها مدينة تقع على خط المواجهة في بلد يعيش حربًا، مثالًا متطرفًا على ذلك، لكن خطر المسيّرات يخيّم على مدن في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط.
وتشهد كييف عددًا أكبر من إنذارات الغارات الجوية مقارنة بأي وقت مضى، مع شن موسكو هجمات بطائرات مسيّرة تعمل بمحركات نفاثة. وفي الشهر الماضي، عُثر على طائرة مسيّرة صغيرة تحمل متفجرات في مطار لايبزيغ، وهو مركز رئيسي للشحن في ألمانيا، قبل أن تتهم البلاد روسيا بالوقوف وراء الهجوم.
وخلال هذا الصيف، أسقطت قوات حلف شمال الأطلسي أربع طائرات مسيّرة فوق رومانيا، بعد حادثة وقعت في أيار/مايو، عندما تعقب الجيش الروماني طائرة مسيّرة روسية لمدة أربع دقائق قبل أن تتحطم في مبنى سكني بمدينة غالاتي، ما أدى إلى إصابة شخصين.
كما ضربت طائرات مسيّرة إيرانية مدنًا خليجية بينها دبي والكويت والمنامة هذا العام. وعلى الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي، أعلنت إستونيا وفنلندا وليتوانيا وبولندا جميعها عن توغلات متكررة لطائرات مسيّرة روسية خلال الأشهر الـ12 الماضية.
ويقول غريغوري فالكو، رئيس مختبر Aerospace Adversary Lab في جامعة كورنيل، إن الحكومات وقطاع الدفاع لا يزالان يحاولان تحديد الطريقة الأكثر أمانًا وكفاءة والأقل تكلفة لحماية المناطق الحضرية من المسيّرات، مضيفًا: "لا يوجد توافق على ذلك حتى الآن".
خطر المسيّرات الصغيرة
تمثل الطائرات المسيّرة الصغيرة والصغيرة جدًا والمتناهية الصغر، التي يعرّفها حلف شمال الأطلسي بأنها تلك التي يقل وزنها عن 150 كيلوغرامًا (330 رطلًا)، مشكلة صعبة لأي جيش.
فأنظمة الرادار المصممة لرصد الطائرات الكبيرة والصواريخ السريعة غالبًا ما تعجز عن تمييزها عن الطيور، كما أنها تطير في أنماط غير متوقعة ويصعب إسقاطها.
وحتى عندما تعمل أجهزة تشويش الترددات اللاسلكية، يمكن للمباني المرتفعة أن تتداخل مع الإشارة.
ويقول الميجور مودريس كايريش، رئيس مركز الكفاءة للأنظمة المستقلة في لاتفيا: "حاليًا، لا توجد دولة واحدة تستطيع إيقاف المسيّرات الصغيرة".
وفي خيرسون، يعاني السكان الذين لم يغادروا المدينة من هجمات بطائرات مسيّرة تعمل بالألياف البصرية من الضفة الشرقية لنهر دنيبرو الخاضعة للسيطرة الروسية.
وتحلق هذه المسيّرات وهي متصلة بمشغليها بواسطة كابل رفيع يكاد يكون شفافًا، ما يعني أنه لا يمكن إسقاطها بواسطة أجهزة تشويش الإشارات.
وتبلغ هذه الطائرات، التي يقارب حجمها حجم غراب كبير، مدى يزيد على 30 كيلومترًا (نحو 19 ميلًا)، وتحمل بكرة من كابل الألياف البصرية داخل أسطوانة صغيرة إلى جانب متفجر، مثل قنبلة يدوية، ينفجر عندما تصطدم الطائرة بهدفها.
ويقول تولكونيكوف إن الطائرات المسيّرة العاملة بالألياف البصرية كانت نادرة العام الماضي، لكنها مسؤولة هذا العام عن نحو 50% من الهجمات.
حتى إسرائيل، التي تمتلك نظام «القبة الحديدية» المتطور للدفاع الجوي، تواجه صعوبات في إيقاف طائرات مسيّرة صغيرة تعمل بالألياف البصرية تابعة لـ"حزب الله"، استهدفت مواقع عسكرية ومجتمعات قرب حدودها الشمالية هذا العام.
ويقول أفراهام ليفين، المتحدث باسم مركز ألما للأبحاث والتعليم، الذي يدرس الحدود الشمالية لإسرائيل، إن "حزب الله" وجد فجوة في الدفاعات الجوية الإسرائيلية.
ويعيش ليفين في شتولا، وهي بلدة تقع على مسافة قريبة سيرًا من السياج الحدودي مع لبنان، ويقول إن فكرة أن تكون طائرة مسيّرة تابعة "لـحزب الله" تحلق فوقه من دون وجود وسيلة للدفاع ضدها أمر يبعث على القلق العميق.
كيف يمكن إسقاط المسيّرة؟
تمثل الطائرات المسيّرة الأكبر حجمًا مشكلة مختلفة. فالتكنولوجيا اللازمة لإسقاطها موجودة، لكن التحدي يكمن في القيام بذلك من دون إنفاق ملايين الدولارات لإيقاف سلاح لا تتجاوز كلفته جزءًا بسيطًا من ذلك.
وفي الأيام الأولى من الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، استخدمت دول الخليج مجموعة من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية المضادة للصواريخ، التي تبلغ قيمة الواحد منها 4 ملايين دولار، لإسقاط طائرات "شاهد" المسيّرة التي لا تتجاوز كلفة الواحدة منها عشرات آلاف الدولارات.
أما صواريخ جو-جو، التي تُطلق من طائرة مقاتلة أو طائرة أخرى بدلًا من إطلاقها من الأرض، فهي خيار أرخص، لكنها تظل مكلفة عند التعامل مع هجوم واسع بالمسيّرات.
وقد تكون تكنولوجيا الليزر الناشئة مفيدة في الدفاع عن القواعد العسكرية، لكنها تمثل خيارًا معقدًا في المناطق الحضرية، حيث يمكن للمباني أن تحجب الطائرات المسيّرة القادمة.
وتجبر حماية المدن من المسيّرات الحكومات حول العالم على اتخاذ حسابات صعبة: هل يستحق خطر سقوط الحطام اعتراض طائرة مسيّرة لا يُعرف هدفها؟ وكم صاروخًا بقيمة 4 ملايين دولار يمكن تبرير إطلاقه على طائرات مسيّرة بقيمة 20 ألف دولار؟
كما تواجه الجيوش الغربية تساؤلات بشأن حجم ميزانيات الدفاع المحدودة التي ينبغي استثمارها في تكنولوجيا مكافحة المسيّرات، بحسب جاستن برونك، الباحث البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث بريطاني معني بالدفاع والسياسة الخارجية.
ويقول برونك إن البديل هو قبول أن "عددًا كبيرًا من المدن سيتعرض في زمن الحرب للقصف بقنابل صغيرة نسبيًا، أي طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، وهذا ببساطة ثمن حتمي للصراع".
مخاطر اعتراض المسيّرات
ويُظهر مقطع فيديو نُشر على منصة "إكس" في حزيران جنودًا روسًا يطلقون النار بشكل عشوائي على طائرات مسيّرة أوكرانية من وسط طريق سريع في موسكو مزدحم بحركة المرور.
ويُظهر مقطع آخر طائرة مسيّرة أوكرانية تتحطم في منتجع شاطئي روسي، فيما أصر الأوكرانيون على أنها انفجرت بين مرتادي الشاطئ فقط لأن روسيا أسقطتها.
وفي وقت سابق من هذا العام، أصيب رجل بشظايا بعد أن اعترضت الدفاعات الجوية بنجاح طائرة مسيّرة في مدينة أم القيوين الإماراتية، فيما تسبب حطام طائرة مسيّرة في اندلاع حريق في الواجهة الخارجية لفندق برج العرب الشهير في دبي.
وبسبب هذه المخاطر، يقول رادوسلاف بيسيفيتش، الشريك المؤسس ونائب رئيس شركة Advanced Protection Systems، وهي واحدة من ثلاث شركات تطور نظامًا لمكافحة المسيّرات في بولندا، إن الطائرات المسيّرة القادمة من خارج الدولة من الأفضل اعتراضها عند الحدود للحد من الأضرار الجانبية.
ويجري تصميم النظام من الصفر لاكتشاف طائرات مسيّرة من طراز "شاهد" والتصدي لها، إلى جانب نماذج أصغر.
البحث عن دفاعات أقل تكلفة
تحاول الدول تصميم أشكال أرخص من الدفاع الجوي لحماية نفسها من المسيّرات من دون الاعتماد على الصواريخ المكلفة.
ويمكن أن تكون هذه الوسائل إلكترونية، باستخدام أجهزة تشويش الإشارات، أو حركية، باستخدام الرشاشات أو المدافع، لكن التفاصيل المتعلقة بالأنظمة والتكتيكات في دول محددة لا تزال شحيحة.
ويضم نظام الدفاع ضد المسيّرات الذي يحمي كييف مزيجًا من أنظمة صواريخ بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة اعتراضية، ومدافع قصيرة المدى، بحسب مسؤول تنفيذي في مجال المسيّرات يعمل مع الحكومة الأوكرانية وطلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالتحدث علنًا.
ويقول المسؤول إن هذا ليس نظامًا جاهزًا يمكن لدول أخرى نسخه.
ويضيف أربو بروبال، رئيس برنامج الأنظمة غير المأهولة في قوات الدفاع الإستونية: "أتمنى لو كانت هناك إجابة سهلة في كتاب مدرسي: إذا رأيت هذه الطائرة المسيّرة، اذهب إلى الصفحة الخامسة".
لكنه يقول إن كل نظام لمكافحة المسيّرات يحتاج إلى تصميم يتناسب مع الموقع المحدد ونوع الهجوم.
وبدأت إستونيا تركيب نظامها لمكافحة المسيّرات في أيار، لكن حتى عند تشغيله بالكامل، يقول بروبال إنه "لا توجد ضمانة بنسبة 100%" بأنه سيوقف كل توغل لطائرة مسيّرة.
وبدلًا من ذلك، يقول إن على كل شركة التأكد من معرفة موظفيها بما يجب فعله إذا رأوا طائرة مسيّرة، تمامًا كما هو الحال مع إجراءات السلامة من الحرائق.
ويضيف: "هذه هي الحقيقة الجديدة، للأسف".
لا توجد استراتيجية لحماية المدنيين
تركز الاستراتيجية الأوروبية الناشئة للدفاع ضد المسيّرات حتى الآن على حدودها الشرقية والمطارات ومواقع عسكرية محددة.
ويقول جوش رودولف، الباحث البارز في صندوق مارشال الألماني، وهو مركز أبحاث معني بالسياسة الخارجية، إن ذلك قد يكون خطوة أولى معقولة، "لكنه ليس استراتيجية لحماية المدنيين".
ويُظهر مثال خيرسون أن الجمع بين الحرب الإلكترونية والحواجز المادية مثل الشبكات وفرق المدافع المتنقلة يمكن أن يقلل بشكل كبير من الخسائر في صفوف المدنيين، بحسب رودولف، الذي شارك في تأليف كتاب حول ما يمكن لبقية أوروبا تعلمه من خيرسون.
ويقول: "إذا كانت مدينة تتمتع بدفاع متعدد الطبقات ومختبر في المعركة لا تزال عاجزة عن حماية مسعف يستجيب لنداء، فإن نظام اعتراض محيطي على بعد مئات الكيلومترات لن يفعل ذلك بالتأكيد".
وبحسب تولكونيكوف، يسقط الجيش ما بين 90% و95% من الطائرات المسيّرة في خيرسون، لكن مع آلاف الهجمات أسبوعيًا، فإن مرور نسبة صغيرة منها يمكن أن يتسبب في وفيات وأضرار كبيرة.
وتعد رومانيا من بين الدول الأخرى التي تطور أنظمة لمكافحة المسيّرات، لكن من غير الواضح ما إذا كانت دفاعاتها قادرة على منع الطائرة المسيّرة التي ضربت المبنى السكني في غالاتي.
وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الرومانية ردًا على أسئلة حول سبب عدم إسقاط الطائرة: "هناك قيود تشغيلية صارمة خلال وقت السلم".
ولا تقتصر التحديات على الأضرار الجانبية، إذ إن الدفاع عن المدن يعني أيضًا إدارة خطر الخلط بين طائرة صغيرة وطائرة مسيّرة، وتأمين عدد كافٍ من العناصر المدربين، وتحديد الجهة المسؤولة عن الاستجابة.
إنفاق 40 مليار دولار لمواجهة المسيّرات
في تموز، تعهد حلفاء الناتو بإنفاق 40 مليار دولار على قدرات مكافحة المسيّرات خلال السنوات الخمس المقبلة.
لكن حتى مع توفر الأموال، يتزايد التشاؤم في أوروبا الشرقية بشأن قدرة الدول على مواكبة التغير التكنولوجي في حرب المسيّرات.
ويقول مانتاس فاراشكا، رئيس بلدية كازلو رودا في ليتوانيا، وهي مدينة تحيط بها غابات الصنوبر: "نحن بالتأكيد لسنا مستعدين لحماية شعبنا من الطائرات المسيّرة الحقيقية والصواريخ الحقيقية والقذائف الصاروخية الحقيقية".
وكان فاراشكا قد دعا إلى بناء ملاجئ تحت الأرض في مدن مثل مدينته.
شبكات خيرسون تتفوق على الحلول عالية التقنية
في خيرسون، أثبتت الشبكات حتى الآن أنها أفضل وسيلة دفاع.
وأثبتت الحلول عالية التقنية أنها أقل موثوقية. ففي العام الماضي، بدأ السكان شراء أجهزة لكشف المسيّرات تشبه أجهزة الاتصال اللاسلكي، وتحدد الإشارات على ترددات راديوية محددة.
لكن الروس غيّروا تردداتهم ببساطة، ولم تعد أجهزة الكشف تعمل إطلاقًا ضد النماذج العاملة بالألياف البصرية.
ويقول تولكونيكوف من داخل الملجأ الواقع أسفل مبنى مكاتب مدمر: "أظهرت تجربتنا أنه عندما تكون تحت الشبكة، فأنت محمي بالقدر الذي يمكن أن توفره الحلول العملية".
ويستغرق طريق عودة تولكونيكوف إلى منزله عبر طرق سريعة خالية بشكل مخيف، تمتد فوقها مسافات طويلة من الشبكات، فيما تنتشر بقايا سيارات محترقة.
وبالنسبة إليه، فإن الدرس واضح: "عندما نقارن مدننا بمدن في أنحاء أوروبا، نرى أن معظمها لا يزال غير مستعد. وفي كثير من الحالات، لا تخطط حتى لأن تكون مستعدة".



