إعادة هيكلة "فولكسفاغن" تثير ضغوطاً سياسية في ألمانيا مع صعود اليمين المتطرف

تضع خطة إعادة هيكلة "فولكسفاغن"، الجمعة، رئيس وزراء ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية أولاف ليس أمام معادلة سياسية صعبة، إذ يدعم تخفيضات واسعة في الوظائف ضمن أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخ الشركة، في الوقت الذي يسعى فيه إلى الحد من تقدم حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، وفق "رويترز".
وتعد ساكسونيا السفلى، الواقعة شمال غربي ألمانيا، موطناً للمقر الرئيسي لـ"فولكسفاغن" وستة من مصانعها، كما تمتلك الولاية حصة رئيسية في الشركة المتعثرة، فيما تستعد لانتخابات محلية الأحد المقبل وسط مؤشرات إلى تحقيق حزب "البديل من أجل ألمانيا" مكاسب جديدة.
ويقود هذه المعادلة أولاف ليس، رئيس وزراء الولاية المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وأحد أعضاء المجلس الإشرافي لـ"فولكسفاغن".
وخلال اجتماع للمجلس الأسبوع الماضي، تخلى ليس عن معارضته لخطة إعادة الهيكلة التي قد تؤدي إلى تسريح أكثر من 100 ألف موظف في المجموعة، في وقت تواجه فيه الشركة منافسة قوية من الصين وتداعيات الرسوم الجمركية الأميركية.
وبرر ليس موقفه بأن الفشل في التوصل إلى اتفاق مع إدارة الشركة كان يمكن أن يعرض "فولكسفاغن" لمخاطر أكبر من التخفيضات المؤلمة في الوظائف.
صعود "البديل من أجل ألمانيا"
وتعد ساكسونيا السفلى من الولايات الألمانية القليلة التي لم يتجاوز فيها حزب "البديل من أجل ألمانيا" الحزب الاشتراكي الديمقراطي في استطلاعات الرأي حتى الآن، إلا أن الفارق بينهما يتقلص، فيما أثارت إعادة هيكلة "فولكسفاغن" مخاوف الأحزاب التقليدية من انتقال مزيد من الناخبين إلى اليمين المتطرف.
وقال ليس لـ"رويترز" إن على الحكومة إقناع المواطنين بقدرتها على معالجة هذه المشكلات، محذراً من أن الفشل في ذلك قد يمنح القوى المتطرفة زخماً إضافياً.
ويحمّل حزب "البديل من أجل ألمانيا" التدخل السياسي جزءاً كبيراً من مسؤولية المشكلات التي تواجه صناعة السيارات الألمانية، مشيراً خصوصاً إلى خطة الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي من سيارات محركات الاحتراق الداخلي بحلول 2035، وهي سياسة تعرضت أيضاً لانتقادات من مسؤولين تنفيذيين في قطاع السيارات وسياسيين من الأحزاب الرئيسية.
ومع استمرار احتمالات إغلاق بعض المصانع، ترتفع المخاطر السياسية، خصوصاً بعدما حقق الحزب اليميني المتطرف فوزاً انتخابياً تاريخياً في ولاية ساكسونيا أنهالت المجاورة، فيما يسعى إلى تعزيز مكاسبه في ساكسونيا السفلى خلال الانتخابات المحلية وفي انتخابات الولاية العام المقبل.
وقال سيباستيان ليشنر، زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المعارض في الولاية، لـ"رويترز"، إن هناك مخاوف من أن حالة عدم اليقين بين الموظفين، خصوصاً في المناطق التي تضم منشآت لـ"فولكسفاغن"، قد تصب في مصلحة حزب "البديل من أجل ألمانيا".
تخفيضات جديدة في الوظائف
ويواجه ليس مهمة سياسية صعبة في تفسير تخفيضات الوظائف للناخبين، بعدما كان قد عارض بشدة خطط تقليص العمالة قبل أن يقبل في نهاية المطاف بإمكانية تسريح نحو 50 ألف موظف إضافي في "فولكسفاغن" ضمن أهداف خفض التكاليف الحالية.
ووصف أنسغار شليده، رئيس كتلة "البديل من أجل ألمانيا" في برلمان الولاية، خطط خفض الوظائف ومراجعة هيكل "فولكسفاغن" بأنها "كارثة لعشرات الآلاف من العائلات"، محملاً ليس مسؤولية عدم معالجة المشكلة.
وينتقد الحزب أيضاً نقابة الصناعات المعدنية الرئيسية في ألمانيا "آي غي ميتال"، التي يشغل ممثلون عنها مقاعد في المجلس الإشرافي للشركة إلى جانب ولاية ساكسونيا السفلى وممثلي عائلتي بورشه وبيش المسيطرتين على "فولكسفاغن".
في المقابل، تقول النقابة إن الحزب والجماعات العمالية المرتبطة به يسعيان إلى إضعاف الصوت الجماعي للعمال.
مخاطر إغلاق المصانع
وسمح اتفاق إعادة الهيكلة بتجنب تغييرات أكثر جذرية كان من الممكن أن تقلص نفوذ ولاية ساكسونيا السفلى داخل الشركة، كما قال ليس إن الاتفاق وفر مزيداً من الوقت للبحث عن بدائل لأربعة مصانع تابعة لـ"فولكسفاغن" تواجه خطر الإغلاق خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
وتعكس الأزمة تحدياً سياسياً واقتصادياً أوسع في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، مع تعرض الشركات والمستهلكين لضغوط ناجمة عن ارتفاع التكاليف والرسوم الجمركية والمنافسة الصينية المتزايدة، ما يعزز استياء بعض الناخبين من الوضع السياسي القائم.
وقال إنغو شبايش من شركة "ديكا إنفستمنت"، المساهمة في "فولكسفاغن"، إن وجود سياسيين في المجلس الإشرافي قد يؤدي إلى تضارب في المصالح، ويثير تساؤلات بشأن قدرتهم على تخصيص الوقت والاهتمام اللازمين لتوجيه شركة كبرى خلال فترة أزمة.
وتمتلك ساكسونيا السفلى حصة تبلغ 20% في "فولكسفاغن"، وتعين عضوين في مجلسها الإشرافي المؤلف من 20 عضواً، عادة ما يكون أحدهما رئيس حكومة الولاية والآخر وزيراً.
ويقع مصنع "فولكسفاغن" في إمدن ضمن المنطقة التي ينحدر منها ليس على الساحل الشمالي الغربي لألمانيا، فيما يقع مصنع تسفيكاو، المخصص لإنتاج السيارات الكهربائية والمهدد أيضاً بالإغلاق، على بعد نحو 500 كيلومتر جنوب شرقي إمدن في ولاية ساكسونيا.
وتوقع محلل قطاع السيارات شتيفان براتسل إغلاق مصنعين على الأقل من المصانع الأربعة المهددة، مع استمرار المناقشات الصعبة حتى الحملة الانتخابية للعام المقبل.
وقال براتسل إن دور ليس بصفته سياسياً وممثلاً لمساهم في الشركة ينطوي على أهداف متعارضة، مضيفاً أن "الصراعات الحقيقية بدأت للتو".
وفي الوقت نفسه، اعتبر أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" لا يقدم رؤية مقنعة لمستقبل صناعة السيارات، إذ يركز على الحفاظ على محركات الاحتراق الداخلي ونموذج صناعة السيارات التقليدي باعتبارهما وسيلة لحماية الوظائف.




