آسيا تواجه موجة تضخم جديدة مع تجاوز النفط 100 دولار

اقتصادات آسيا تواجه اختبارًا جديدًا لقدرتها على الصمود، بعدما تجاوز سعر النفط عتبة 100 دولار مجددًا، في وقت لا يزال فيه التضخم مرتفعًا والسياسات المالية والنقدية مشددة، بحسب بلومبيرغ.
وقفز خام برنت إلى أكثر من 107 دولارات للبرميل يوم الجمعة، وسط تصاعد الهجمات في مضيق هرمز، مع استعداد الولايات المتحدة وإيران لحرب طويلة. وتعتمد دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند بشكل كبير على النفط الخام المستورد لتشغيل اقتصاداتها، فيما تؤدي الأسعار المرتفعة إلى زيادة تكلفة دعم الوقود في دول مثل إندونيسيا وتايلاند.
ضغوط التضخم والسياسات النقدية
يواجه صانعو السياسات في أنحاء المنطقة ضغوطًا لمواصلة دعم الأسر والشركات، التي تضررت دخولها من استمرار التضخم. لكن مع تضخم عجز الموازنات وارتفاع أسعار الفائدة، أصبحت مساحة المناورة أمام الحكومات أضيق بكثير مما كانت عليه سابقًا.
وقال وي خون تشونغ، كبير استراتيجيي الأسواق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى "بي إن واي" في هونغ كونغ: "أعادت أسعار النفط المرتفعة مخاوف شروط التجارة والتضخم والمالية العامة على المدى المتوسط إلى الواجهة".
وتراجعت معظم العملات الآسيوية الناشئة أمام الدولار بعد ظهر الجمعة، وسجلت الروبية الإندونيسية أكبر انخفاض بنسبة 0.5%، تلتها العملة التايلاندية بنسبة 0.4% والروبية الهندية بنسبة 0.3%.
ورغم أن آسيا حققت نموًا أفضل من المتوقع خلال النصف الأول من العام بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن الصراع في الشرق الأوسط لا يزال يلقي بظلاله على المنطقة، التي تعتمد أكثر من غيرها على الشحنات العابرة لمضيق هرمز.
وقالت مادهافي أرورا، الخبيرة الاقتصادية لدى "إمكاي غلوبال فاينانشال سيرفيسز" في مومباي: "قد تمثل صدمة مستدامة لخام برنت ضربة مزدوجة، إذ تزيد ضغوط التضخم في الوقت نفسه الذي تؤثر فيه سلبًا على النمو".
وفي الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، تؤدي كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برنت، نظريًا، إلى رفع التضخم بمقدار 35 نقطة أساس وتقليص النمو بمقدار 15 نقطة أساس، وفقًا لأرورا. إلا أن حساسية الاقتصاد قد تكون أقل هذه المرة، بعدما نوّعت الهند مصادرها بعيدًا عن منطقة الخليج، بحسب قولها.
ولم تتبدد الضغوط السعرية الناجمة عن صدمة الطاقة الأولية عندما اندلعت حرب إيران في فبراير، فيما تواصل التكاليف المرتفعة انتشارها إلى ما هو أبعد من قطاع النقل، لتشمل الغذاء والمرافق والإسكان.
وارتفعت عقود مبادلات الديزل في آسيا، وهو وقود أساسي للنقل والبناء والصناعة، بأكثر من ضعف ارتفاع أسعار خام برنت. كما تجاوزت مكاسب عقود مبادلات البنزين الارتفاع في مؤشر الخام العالمي.
مكاسب أسعار الوقود في آسيا تتجاوز ارتفاع الخام
ارتفاع تكاليف وقود النقل يهدد بتفاقم تأثير التضخم
كما قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، ما يهدد بارتفاع فواتير الكهرباء في دول مستوردة مثل تايلاند وفيتنام والفلبين. ومن المتوقع أن تواصل الأسعار القياسية في المنطقة ارتفاعها مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل تنافس أوروبا وآسيا على إمدادات محدودة وسط استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز.
مخاطر اقتصادية متزايدة
وتتزايد ضغوط اقتصادية أخرى. وقال برايان لي، الخبير الاقتصادي لدى "مايبانك سيكيوريتيز" في سنغافورة، إن أسعار الغذاء تتعرض لضغوط بسبب الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات الطقس الشديدة الناجمة عن ظاهرة "إل نينيو".
وأضاف لي: "في مواجهة ارتفاع مطول في تكاليف المدخلات مع غياب أي انفراج يُذكر، قد تضطر الشركات التي امتنعت عن رفع الأسعار بسبب حالة عدم اليقين بشأن الطلب في نهاية المطاف إلى القيام بذلك لتجنب الضغط على هوامش الأرباح".
ومن المتوقع على نطاق واسع أن يرفع بنك اليابان سعر الفائدة الأساسي الأسبوع المقبل، بينما أشار بنك الاحتياطي الأسترالي بالفعل إلى استعداده لتشديد السياسة النقدية قبل اجتماع تحديد أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر.
ومن المقرر أن يعقد البنك المركزي الهندي اجتماعه المقبل في أكتوبر، فيما يرى بعض الاقتصاديين خطر رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ بدء الحرب. وقد تساعد بيانات التضخم المقرر صدورها يوم الاثنين في تشكيل هذه التوقعات.
وقال بنك "بانغكو سنترال نغ بيليبيناس" هذا الأسبوع إنه سيراقب الصراع في الشرق الأوسط "عن كثب"، بعدما ظل التضخم مرتفعًا عند 6.1% في آب/أغسطس، حتى قبل التصعيد الأخير. وقال البنك المركزي الفلبيني إنه سيضمن عودة المؤشر إلى مستهدفه البالغ 3%.
مخاطر مالية
كما تتراجع الاحتياطات المالية، وإن لم تكن قد استُنفدت بالكامل. فقد تحملت تايلاند وكوريا الجنوبية إنفاقًا إضافيًا على إجراءات التحفيز، بينما اضطرت إندونيسيا إلى خفض موازنتها المخصصة لبرامج أخرى لتوفير تكاليف دعم الوقود. أما ماليزيا، حيث وسّع رئيس الوزراء أنور إبراهيم مؤخرًا حصص الوقود المدعوم لتهدئة الناخبين قبل انتخابات محتملة، فقد تضطر الآن أيضًا إلى إنفاق المزيد من الأموال.
وقالت ماري إلكا بانغستو، نائبة رئيس المجلس الاقتصادي الوطني الإندونيسي، خلال مؤتمر يوم الأربعاء: «بالنسبة إلى إندونيسيا، تُظهر حساباتنا الآن أننا سنواجه متوسطًا يبلغ 90 دولارًا» للنفط الخام. وأضافت: «كان افتراض موازنتنا 70 دولارًا، والآن علينا العمل على أساس 90 دولارًا».
وقد يتسع أيضًا عجز صندوق النفط التايلاندي، الذي تستخدمه البلاد لتحقيق استقرار الأسعار، من 83 مليار بات إلى نحو 100 مليار بات، أي ما يعادل 3 مليارات دولار، وفقًا لبوري سيراسونثورن، الأستاذ المشارك في جامعة ثاماسات.
وقالت: "إذا لم يتمكن الصندوق وحده من التعامل مع ارتفاع أسعار النفط، فقد تضطر الحكومة التايلاندية إلى الاقتراض لدعم أسعار الوقود للمستهلكين، ما سيزيد الضغط على موازنة مالية تعاني أصلًا من ضغوط".
إجراءات طوارئ ومخاوف من أزمة طويلة
ومع ذلك، قد تكون آسيا في وضع أفضل الآن بعدما اتخذت إجراءات طارئة في بداية الحرب على إيران. فقد خفضت الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، شحنات الوقود واستعانت بالمخزونات التجارية استجابة للأزمة.
لكن مع عدم وجود مسار واضح لحل الصراع في الشرق الأوسط، تحذر "إتش إس بي سي هولدنغز" من أن "الوضع الطبيعي الجديد" للاقتصاد العالمي قد يكون وضعًا يكون فيه "المضيق لا مغلقًا بالكامل ولا مفتوحًا بالكامل، بل متعطلًا باستمرار".
وقالت "إتش إس بي سي" في مذكرة: "يفترض سيناريو الأساس الجديد لدينا أن تفاهمًا هشًا بين الولايات المتحدة وإيران سيظهر في نهاية المطاف، لكنه سيظل عرضة لانهيارات متكررة واستمرار حالة عدم اليقين"، رافعة توقعاتها لسعر خام برنت إلى 90 دولارًا هذا العام و85 دولارًا في 2027.
وأضافت: "هذا يبقي السوق أكثر تشددًا لفترة أطول مما افترضناه سابقًا".



