Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

النفط الفنزويلي يضع الصين أمام اختبار جديد مع توسع النفوذ الأميركي

4 سبتمبر 2026 | 07:56 م
ai

يهدد التوسع الأميركي في قطاع النفط الفنزويلي مصالح الصين التي بنت خلال نحو عقدين شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والمالية مع كاراكاس، ولا سيما عبر القروض المرتبطة بإمدادات النفط، في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تقليص نفوذ بكين وموسكو في أميركا اللاتينية، بحسب بلومبيرغ.

وكانت فنزويلا لسنوات أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي وأكبر دائن للبلاد، فيما قدمت بكين دعماً لحكومة الرئيس السابق نيكولاس مادورو في مواجهة العقوبات والعزلة الأميركية. ومن المتوقع أن تظل شركات صينية حاضرة في قطاع النفط الفنزويلي، إلا أن مستقبل تدفقات الخام إلى الصين وآلية سداد مليارات الدولارات من القروض القائمة أصبحا أكثر غموضاً.

وتأتي التطورات بعد اتفاق منح الحكومة الأميركية حصة في شركة تدير حقولاً نفطية فنزويلية، في خطوة تقدمها إدارة ترامب باعتبارها وسيلة للحد من نفوذ الصين وروسيا في المنطقة. وينص الاتفاق على منح الحكومة الأميركية حصة تبلغ 35% في الشركة الأم لشركة نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز، التي حصلت بدورها على امتيازات لمدة 100 عام لتطوير 17 حقلاً نفطياً.

كما يمنح الاتفاق الولايات المتحدة حق شراء 20% من الإنتاج الحالي والمستقبلي بسعر التكلفة، إلى جانب حق الأولوية في شراء النسبة المتبقية البالغة 80%. وتقول إدارة ترامب إن معظم الحقول التي ستطورها الشركة كانت خاضعة في السابق لإدارة شركات صينية وروسية أو لأطراف مقربة من مادورو والرئيس الراحل هوغو تشافيز.

لكن تأثير الاتفاق على الصين قد يتجاوز المنافسة المباشرة في إنتاج النفط، إذ يمكن أن يعقّد جهود بكين لاسترداد القروض التي قدمتها لفنزويلا. وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الصين لن تكون لها مطالبات بالدخل الناتج عن إنتاج النفط الجديد في فنزويلا.

وتعود العلاقات الصينية الفنزويلية إلى سنوات طويلة، وقد رفعتها بكين في 2023 إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة، وهو من أعلى مستويات العلاقات الدبلوماسية التي تعتمدها الصين. كما دعمت فنزويلا باستمرار مواقف بكين بشأن تايوان وهونغ كونغ، فيما وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ العلاقة بين البلدين بأنها صداقة راسخة.

وكان إخراج مادورو من السلطة على يد الولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير بمثابة إحراج دبلوماسي لبكين، خصوصاً أن وفداً صينياً رفيع المستوى كان في كاراكاس قبل ذلك بيوم واحد.

اقتصادياً، تجاوز حجم التجارة الثنائية بين الصين وفنزويلا 7.4 مليارات دولار العام الماضي، فيما ظلت الصين أحد أكبر شركاء فنزويلا التجاريين على مدى نحو عقدين. كما تعد فنزويلا من أبرز مشتري الأسلحة الصينية في أميركا اللاتينية، إذ بلغت قيمة مشترياتها نحو 495 مليون دولار خلال العقد المنتهي في 2020.

وتكتسب صادرات النفط أهمية خاصة في العلاقة بين البلدين. فقد اشترت الصين نحو 80% من صادرات الخام الفنزويلية العام الماضي، لكنها لم تستورد أي شحنات منذ إطاحة مادورو في كانون الثاني، وفق بيانات جمعتها بلومبيرغ.

ويُستخدم خام ميري الفنزويلي، الذي كانت المصافي الصينية المستقلة تفضله بسبب انخفاض سعره مقارنة بخامات مماثلة، في إنتاج البيتومين المستخدم في قطاعي البناء وتشييد الطرق. ويمكن للصين اللجوء إلى مصادر بديلة مثل كندا، إلا أن ارتفاع تكلفتها قد يضغط على هوامش أرباح المصافي المستقلة المعروفة باسم المصافي الصغيرة.

ورغم ذلك، لا تمثل خسارة الخام الفنزويلي ضربة كبيرة لإمدادات الطاقة الصينية، إذ لم تتجاوز حصة فنزويلا نحو 4% من إجمالي واردات الصين النفطية العام الماضي. وتتركز أهمية هذه التدفقات بدرجة أكبر في ارتباطها بالقروض الصينية المدعومة بالنفط ومحاولات استرداد قيمتها.

وبدأت الصين تمويل فنزويلا على نطاق واسع عام 2007 خلال عهد تشافيز، بعدما قدمت قروضاً لتمويل مشاريع في البنية التحتية والطاقة والنفط. وشملت أوجه التعاون طرقاً وجسوراً ومحطات كهرباء ومصانع لمعالجة الأغذية، إلا أن عدداً من هذه المشاريع لم يكتمل أو لم يعد قيد الاستخدام.

وبحسب بيانات مختبر الأبحاث الأميركي إيد داتا، قدمت الصين لفنزويلا أكثر من 100 مليار دولار من القروض المدعومة من الدولة منذ عام 2000، ما جعلها أكبر مستفيد من التمويل الصيني في أميركا اللاتينية. وكان الجزء الأكبر من هذه القروض مصمماً للسداد عبر شحنات النفط.

وتراجع التمويل الصيني خلال السنوات الأخيرة مع تدهور صناعة النفط الفنزويلية تحت تأثير العقوبات والفساد ونقص الاستثمارات، فيما تتراوح تقديرات الديون المستحقة للصين بين 10 و20 مليار دولار.

وعلى الرغم من توسع الدور الأميركي، لا تزال المصالح الصينية في قطاع النفط الفنزويلي قائمة. فقد طورت شركات حكومية صينية مشاريع للنفط والغاز في حزام أورينوكو ومناطق أخرى، إلا أن إنتاج الشركات المرتبطة بالصين يمثل أقل من 10% من إجمالي إنتاج فنزويلا، مقابل أكثر من 25% لعمليات شركة شيفرون.

كما تملك شركتا ساينوبك وشركة النفط الوطنية الصينية حقوقاً في احتياطيات فنزويلية بموجب ترتيبات سابقة للاتفاق الأميركي الجديد، وتبلغ حصتهما مجتمعة نحو 4.4 مليارات برميل، وفق محللي مورغان ستانلي استناداً إلى بيانات وود ماكنزي.

وترى بكين أن تعاونها مع فنزويلا محمي بموجب القوانين الدولية والمحلية، مؤكدة أن مصالحها وحقوقها القانونية في البلاد يجب أن تكون محمية. ومن بين الخيارات المتاحة أمامها محاولة استرداد مستحقاتها ضمن عملية أوسع لإعادة هيكلة الديون السيادية الفنزويلية.

ولا تقتصر تداعيات التدخل الأميركي على فنزويلا، إذ قد تؤثر في استراتيجية الصين الأوسع في أميركا اللاتينية، حيث تعد بكين ثاني أكبر شريك تجاري للمنطقة بعد الولايات المتحدة، فيما تنتشر الشركات الصينية في قطاعات تشمل شبكات الكهرباء والتعدين والسيارات الكهربائية والبنية التحتية.

وقال محلل المخاطر السياسية كريستيان رييس إن ما يحدث في فنزويلا قد يشكل سابقة لإقصاء الشركات الصينية تحت الضغط، مع استعداد متزايد من الولايات المتحدة لاعتبار أجزاء من العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة والصين مسألة أمن قومي واستخدام نفوذها لفرض حدود على هذا التعاون.

ومع ذلك، فإن حجم التشابك الاقتصادي الصيني في أميركا اللاتينية يجعل تقليص نفوذ بكين مهمة صعبة، كما أن قدرة إدارة ترامب على تكرار مستوى التدخل الذي شهدته فنزويلا في دول أخرى تبقى محدودة، بحسب بلومبيرغ.