ازدحام المدار الأرضي يرفع مخاطر اصطدام الأقمار الاصطناعية

حذر خبراء في قطاع الفضاء من أن الزيادة السريعة في أعداد الأقمار الاصطناعية والحطام الفضائي في المدار الأرضي المنخفض ترفع مخاطر الاصطدامات وتجعل إدارة حركة المركبات الفضائية أكثر تعقيداً، مع توسع الشركات والحكومات في إطلاق مجموعات ضخمة من الأقمار، وفق تقرير نشرته "وول ستريت جورنال"، الأحد. ويزداد القلق من أن يؤدي اصطدام كبير إلى توليد آلاف الشظايا التي يمكن أن تصطدم بدورها بأجسام أخرى، ما قد يطلق سلسلة من الاصطدامات تعرف باسم "متلازمة كيسلر"، ويهدد في الحالات القصوى قابلية استخدام بعض المناطق المدارية.
وتشير أحدث إحصاءات وكالة الفضاء الأوروبية إلى وجود نحو 54 ألف جسم يزيد حجمه على 10 سنتيمترات في مدار الأرض، بينها نحو 9,300 حمولة نشطة، فيما يُقدر عدد قطع الحطام التي يتراوح حجمها بين سنتيمتر واحد و10 سنتيمترات بنحو 1.2 مليون قطعة. ولا يمكن تعقب جميع هذه الأجسام بصورة منتظمة. وأكدت الوكالة أن كثافة الأجسام النشطة في بعض نطاقات الارتفاع المزدحمة أصبحت في مستوى مماثل لكثافة الحطام الفضائي، محذرة من أن البيئة المدارية مورد محدود وأن استمرار تراكم الحطام يهدد استدامة النشاط الفضائي على المدى الطويل.
"ستارلينك" في قلب الازدحام المداري
وتبرز شبكة "Starlink" التابعة لشركة "SpaceX" في صدارة هذا التوسع، إذ أصبحت أكبر مجموعة من الأقمار الاصطناعية في التاريخ، مع وجود أكثر من 11 ألف قمر تابع لها في المدار بحلول أواخر آب/أغسطس 2026.
ومع ازدياد كثافة الحركة، ارتفع عدد مناورات تجنب الاصطدام التي تنفذها أقمار الشبكة بصورة حادة. وتشير بيانات مستندة إلى تقارير "SpaceX" التنظيمية المقدمة إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية إلى تنفيذ أكثر من 355 ألف مناورة لتجنب الاصطدام خلال الفترة الممتدة من حزيران/يونيو 2025 إلى أيار/مايو 2026. وتسمح هذه المناورات للأقمار بتغيير مساراتها عند رصد احتمال اقتراب خطير من جسم آخر، إلا أن الخبراء يحذرون من أن استمرار زيادة عدد المركبات في المدار سيزيد الحاجة إلى مثل هذه العمليات ويعقد إدارة حركة الفضاء.
41 ألف قمر إضافي حتى 2034
ومن المتوقع إطلاق ما لا يقل عن 41 ألف قمر اصطناعي إضافي إلى المدار الأرضي المنخفض حتى عام 2034، وفق تقديرات دالاس كاسابوسكي، المحلل في شركة الاستشارات الفضائية "Analysys Mason"، على أن يأتي نحو ثلثي هذه الأقمار من "SpaceX" و"Amazon" وشركات صينية. وقد يرتفع العدد بدرجة أكبر بكثير إذا تحولت خطط إنشاء مراكز بيانات مدارية إلى مشاريع واسعة النطاق. ويقدر كاسابوسكي أن هذه المشاريع، التي قد تعتمد على مجموعات ضخمة من الأقمار المزودة برقائق للذكاء الاصطناعي، يمكن أن تدفع العدد الإجمالي مستقبلاً إلى نحو 1.5 مليون قمر اصطناعي. ويظل هذا الرقم سيناريو تقديرياً مرتبطاً بتحقق تلك المشاريع وليس توقعاً مؤكداً لعدد الأقمار التي ستدخل المدار.
الاصطدامات لا تزال نادرة
ورغم الزيادة الكبيرة في حركة الأقمار الاصطناعية، لا تزال الاصطدامات الكارثية المباشرة بين الأجسام الكبيرة نادرة، إلا أن حادثاً واحداً يمكن أن يولد كميات كبيرة من الحطام تبقى في المدار سنوات.
ومن أبرز الأمثلة اصطدام قمر الاتصالات الأميركي "Iridium 33" بالقمر الروسي المعطل "Kosmos 2251" عام 2009، الذي أدى إلى تدمير القمرين وتكوين آلاف القطع من الحطام الفضائي، في حادث أظهر حجم التداعيات التي يمكن أن تنتج عن اصطدام واحد. وتشير وكالة الفضاء الأوروبية إلى تسجيل أكثر من 660 حادثة تفكك أو انفجار أو اصطدام أو أحداث غير اعتيادية أدت إلى تجزؤ أجسام في الفضاء منذ بداية عصر الفضاء، ما ساهم في زيادة كمية الحطام الموجود في المدار. تحديات متزايدة أمام إدارة حركة الفضاء
ولا يعني ازدياد الازدحام أن المدار الأرضي المنخفض أصبح غير صالح للاستخدام، إذ لا تزال هناك مساحة كبيرة أمام تشغيل الأقمار بصورة آمنة، لكن الخبراء يشددون على أن ضعف التنسيق بين المشغلين أو استمرار النمو السريع من دون إدارة فعالة قد يرفع المخاطر. وتزداد أهمية تطوير أنظمة تتبع وتبادل بيانات أكثر دقة، إلى جانب تحسين التنسيق بين مشغلي الأقمار وتطوير تقنيات تجنب الاصطدام وإزالة الحطام، مع استمرار نمو الاقتصاد الفضائي ودخول مجموعات جديدة من الأقمار إلى المدار خلال السنوات المقبلة.



