حرب إيران تدخل شهرها السادس وتضغط على شعبية ترامب والاقتصاد العالمي

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما ضد إيران، تحولت الحرب التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها "رحلة قصيرة" إلى مواجهة طويلة وغير شعبية، من دون مسار واضح لإنهائها، فيما لا تزال إيران تقاوم وتبقى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مضطربة بشدة، وفق تقرير لوكالة "رويترز"، الخميس.
وكان ترامب قد توقع في وقت سابق انتهاء الحرب خلال أربعة أسابيع، إلا أن طهران لم تستسلم، في وقت يبدو أن واشنطن بدأت تعود إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي بعدما لم تؤدِ الضربات العسكرية إلى انتزاع تنازلات من إيران. وأبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حلفاء الولايات المتحدة بأن من غير المرجح شن هجمات أميركية جديدة "في الوقت الراهن".
ورغم الغموض المحيط بمسار الحرب خلال المرحلة المقبلة، بدأت مجموعة من تداعياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية طويلة الأمد تتضح بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإيران والاقتصاد العالمي، بحسب "رويترز".
تراجع شعبية ترامب
وتظهر استطلاعات "رويترز/إبسوس" أن نسبة التأييد لأداء ترامب تراجعت من 40% عند بداية الحرب إلى 33%، مع مساهمة ارتفاع أسعار الوقود في تقويض تعهده الانتخابي بخفض تكاليف المعيشة للأميركيين.
وبحسب الاستطلاعات، يؤيد 31% فقط من الأميركيين الحرب، وهي نسبة أدنى من مستويات التأييد التي سجلتها صراعات أميركية حديثة أخرى في مراحل مماثلة، بما في ذلك حرب أفغانستان التي تجاوز التأييد لها 50% لسنوات، وفق استطلاعات "غالوب".
ويشكل غضب الناخبين من ارتفاع الأسعار تحدياً للحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، عندما يسعى الحزب إلى الدفاع عن أغلبيته الضيقة في مجلسي الكونغرس.
كما عمقت الحرب الانقسام داخل الحزب الجمهوري بين تيار أكثر ميلاً إلى الانعزالية يدعو إلى إنهائها سريعاً، ومشرعين يرون ضرورة استمرار الضغط العسكري على طهران.
الاقتصاد العالمي يتضرر بأقل من المخاوف
وأثارت الضربات الأميركية والإسرائيلية مخاوف اقتصادية واسعة بسبب أهمية مضيق هرمز، الذي يضيق عرضه إلى نحو 34 كيلومتراً بين إيران وسلطنة عُمان وتمر عبره قرابة خُمس إمدادات الطاقة العالمية.
وأدى اضطراب الملاحة في المضيق إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط ومخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي، إلا أن التداعيات جاءت حتى الآن أقل حدة مما توقعه كثير من الاقتصاديين في بداية الحرب.
وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي مرتين منذ اندلاع الصراع، وبات يتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3% هذا العام، مقارنة بتوقعات بلغت 3.3% في كانون الثاني/يناير.
ومع ذلك، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة أكبر على الصمود مقارنة بصدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، إذ أصبحت الاقتصادات الكبرى أقل اعتماداً على الطاقة، فيما ساعد استمرار قوة الإنفاق والاستثمار، بما في ذلك طفرة الذكاء الاصطناعي، في تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة.
إيران متضررة لكنها لم تُهزم
وتعرض الجيش والاقتصاد الإيرانيان لأضرار كبيرة، إلا أن طهران لا تزال قادرة على شن هجمات والإبقاء على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مقيدة بشدة.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر أمام الكونغرس في أيار/مايو إن القوات الأميركية دمرت 161 قطعة بحرية إيرانية وعطلت 82% من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، مضيفاً أن سلاح الجو الإيراني، الذي كان ينفذ سابقاً ما يصل إلى 100 طلعة يومياً، توقف عن تنفيذ المهام.
ورغم ذلك، لا تزال إيران تمتلك طائرات مسيرة وصواريخ، وتمكنت من استهداف سفن ومنشآت عسكرية أميركية في المنطقة.
وكانت "رويترز" قد أفادت في آذار/مارس بأن الولايات المتحدة استطاعت التأكد من تدمير نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية فقط، بينما ظل وضع نحو ثلث آخر غير واضح، مع ترجيح تعرض صواريخ لأضرار أو تدميرها أو دفنها داخل أنفاق ومخابئ تحت الأرض.
وأدت الحرب إلى مقتل الآلاف وتعميق الأزمة الاقتصادية الإيرانية، مع ارتفاع التضخم وتعطل التجارة. وبلغ تضخم أسعار المواد الغذائية 128% على أساس سنوي في تموز/يوليو، وفق مركز الإحصاء الإيراني.
وفي الوقت نفسه، ساهمت الحرب في تراجع الخلافات السياسية الداخلية إلى الخلفية، بالتزامن مع تشديد السلطات حملتها على المعارضين.
اضطرابات أوسع في الشرق الأوسط
وكان الهدف المعلن للحرب الأميركية الإسرائيلية تقليص التهديد الإيراني في الشرق الأوسط، إلا أن محللين يرون أنها تركت المنطقة أقل استقراراً وعرضت حلفاء واشنطن لمخاطر إضافية.
واستهدفت صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية دولاً عربية خليجية حليفة للولايات المتحدة، وأصابت منشآت عسكرية ودبلوماسية أميركية وأدت إلى اضطرابات في حركة الطيران.
كما أدت الهجمات الإيرانية على السفن، بالتزامن مع حصار للحوثيين يستهدف حركة الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل في المنطقة، وتعطيل سلاسل الإمداد وزيادة حالة عدم اليقين أمام اقتصادات الخليج.
البرنامج النووي الإيراني يتراجع لكن الغموض مستمر
وألحقت الضربات الأميركية والإسرائيلية، خلال هجوم سابق في حزيران/يونيو 2025 وفي المرحلة الأولى من الحرب الحالية، أضراراً كبيرة بثلاث منشآت إيرانية معروفة لتخصيب اليورانيوم ومواقع يشتبه في ارتباطها بأنشطة تسليحية، كما أدت ضربات إسرائيلية إلى مقتل علماء نوويين بارزين.
وأشارت تقديرات استخباراتية أميركية في أيار/مايو إلى أن "زمن الاختراق النووي" الإيراني، أي المدة اللازمة لإنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع قنبلة، ارتفع إلى ما يصل إلى عام، مقارنة بنحو ستة أشهر قبل الحرب.
ويعد منع إيران من امتلاك سلاح نووي الهدف الرئيسي المعلن لترامب من الحرب، إلا أن الوضع الفعلي للبرنامج لا يزال غير واضح بسبب عدم عودة مفتشي الأمم المتحدة إلى المواقع النووية الإيرانية.
ولم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التحقق من موقع نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% منذ ضربات 2025، وهي كمية يمكن نظرياً رفع مستوى تخصيبها إلى درجة صالحة للاستخدام في الأسلحة داخل منشأة سرية.
وتؤكد إيران منذ فترة طويلة أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي.
الحرب تستنزف الجاهزية العسكرية الأميركية
وتكبد الجيش الأميركي خسائر في الطائرات والطائرات المسيرة نتيجة الهجمات الإيرانية والحوادث. وأفاد تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس في أيار/مايو بأن القوات الأميركية فقدت 42 طائرة عسكرية خلال الصراع.
وتشكل مخزونات الذخائر مصدر قلق متزايد، إذ أفادت "رويترز" بأن الجيش الأميركي استخدم "تقريباً كامل" مخزونه العالمي من بعض أنواع الصواريخ الدقيقة.
وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كانت الولايات المتحدة قد استخدمت بحلول تموز/يوليو نحو 65% من صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة "باتريوت"، فيما انخفض مخزونها من صواريخ منظومة "ثاد" بما لا يقل عن 38%.
كما نقلت واشنطن مقاتلات وسفناً حربية وأصولاً عسكرية أخرى من أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، ما أدى إلى تمديد فترات الانتشار وإثارة تساؤلات بشأن مستوى الجاهزية في مناطق أخرى.
وأمضت حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" أكثر من عام في الانتشار، في أطول مهمة من نوعها منذ حرب فيتنام، فيما أثار مشرعون مخاوف بشأن الظروف على متن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" بعد قضائها 200 يوم متواصل في البحر.
واستُبدلت "أبراهام لينكولن" الأسبوع الماضي بحاملة طائرات أخرى كانت منتشرة في المحيط الهادئ، في مؤشر إضافي، بحسب "رويترز"، إلى حجم الضغوط التي تفرضها الحرب على الموارد العسكرية الأميركية.



