Contact Us
Ektisadi.com
تكنولوجيا

الصين تسرّع سباق الروبوتات البشرية رغم ضعف الطلب ومحدودية قدراتها

27 أغسطس 2026 | 11:43 ص
Ai

تدفع الصين بقوة نحو تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر، مدعومة بتمويل حكومي واستثمارات صناعية ضخمة، إلا أن قدرات هذه الآلات لا تزال بعيدة عن الطموحات المعلنة، وسط فجوة متزايدة بين الطاقة الإنتاجية والطلب التجاري الفعلي، وفق تحقيق موسع لوكالة "رويترز"، الخميس.

وفي مركز تدريب بمدينة ليوتشو في جنوب الصين، يقف أكثر من 100 روبوت بشري في صفوف منتظمة، بينما يدربها نحو 12 شخصاً على مهام بسيطة تشمل فرز الصناديق وتعبئة المعكرونة وإعداد القهوة.

ولا تزال الروبوتات بطيئة ومحدودة الدقة، إذ قد يحتاج المدرب المبتدئ إلى نحو 300 محاولة للحصول على حركة واحدة قابلة للاستخدام، مقابل محاولة ناجحة من كل 50 تقريباً لدى المدربين ذوي الخبرة.

وفازت شركة "UBTech" الصينية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بمناقصة قيمتها 18 مليون دولار من حكومة منطقة قوانغشي لتزويد مركز التدريب بالروبوتات والمعدات المرتبطة بها، بهدف إنتاج بيانات لتدريب ما يعرف بـ"الذكاء الاصطناعي المتجسد"، الذي يسمح للروبوتات بإدراك العالم المادي واتخاذ القرارات وتنفيذ الحركات.

ويرتدي المدربون نظارات تتيح لهم رؤية البيئة من منظور الروبوت، ويستخدمون أجهزة تحكم مزودة بمستشعرات لتحويل حركاتهم إلى أوامر تنفذها الآلات.

حاجة صناعية تصطدم بضعف القدرات

وقد يوفر تطوير الروبوتات البشرية حلاً مستقبلياً لمشكلة متزايدة تواجه الصين، إذ يؤدي تقلص عدد السكان وارتفاع متوسط الأعمار إلى تراجع أحد أبرز عناصر القوة التي دعمت القطاع الصناعي لعقود، والمتمثل في وفرة العمالة.

كما درس باحثون عسكريون صينيون إمكان استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة المستقبلية، بحسب "رويترز".

ويهدف مركز ليوتشو، الذي زارته الوكالة في نيسان/أبريل، إلى بيع بيانات تدريب الروبوتات للمصانع. إلا أن ثلاثة موظفين أقروا بأن المشروع، الذي يعتمد على الدعم الحكومي، لا يمتلك حالياً مساراً واضحاً لتحقيق الربحية بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وانخفاض أسعار البيانات في هذه السوق الناشئة.

ولم ترد "UBTech" أو حكومتا قوانغشي وليوتشو على طلبات "رويترز" للتعليق.

وتكشف تجربة المركز عن إحدى أبرز المعضلات التي تواجه قطاع الروبوتات البشرية في الصين، إذ يتسارع التمويل الحكومي والاستثمار في التصنيع بوتيرة تفوق قدرة الروبوتات على العمل بصورة مستقلة خارج العروض المصممة مسبقاً، مثل الرقص والكونغ فو والملاكمة التي جذبت اهتماماً واسعاً عبر الإنترنت.

وقال تانغ وينبين، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة "Yuanli Lingji" للروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إن "معدل ذكاء الروبوتات منخفض للغاية"، مضيفاً أن كثيراً مما يظهر باعتباره عملاً للروبوتات ليس سوى "رقص متنكر في صورة عمل".

الصين تستحوذ على 95% من الإنتاج العالمي

وأظهر تحقيق "رويترز"، المستند إلى مئات الإفصاحات والسجلات الحكومية وزيارات لمصانع ومراكز تدريب ومعارض للروبوتات، إلى جانب مقابلات مع 40 مسؤولاً تنفيذياً ومستثمراً وباحثاً، اتساع الفجوة بين طموحات الحكومة وقدرات التكنولوجيا الحالية.

وشُحن نحو 20 ألف روبوت بشري عالمياً خلال العام الماضي، استحوذ المصنعون الصينيون على نحو 95% منها، وفق "BofA Global Research".

وقال مسؤول في وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية غان شياوبين، في تموز/يوليو، إن الصين تتوقع إنتاج أكثر من 100 ألف روبوت بشري هذا العام، فيما يتوقع "BofA" ارتفاع الشحنات العالمية السنوية إلى 1.2 مليون وحدة بحلول 2030.

وتتجاوز تداعيات هيمنة الصين على سلاسل التوريد المنافسة التجارية، إذ حظرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تموز/يوليو استيراد الروبوتات البشرية الصينية الجديدة، مبررة القرار بالحاجة إلى حماية قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي من مخاطر التعطيل والهجمات الإلكترونية.

نموذج السيارات الكهربائية يتكرر

وتتبع بكين في تطوير الروبوتات استراتيجية صناعية مشابهة لتلك التي استخدمتها في السيارات الكهربائية والألواح الشمسية، من خلال دعم قطاع استراتيجي، وبناء طاقة إنتاجية كبيرة في وقت مبكر، وتشجيع المنافسة الحادة لخفض التكاليف.

لكن السيارات والألواح الشمسية كانت صناعات ناضجة نسبياً عندما سرعت الصين إنتاجها، بينما لا تزال الروبوتات البشرية تكنولوجيا في مراحل مبكرة، وتعاني مشكلات تتعلق بالمرونة والدقة والموثوقية والذكاء والتكلفة، إلى جانب محدودية الطلب المحلي والعالمي.

وتلعب الجهات الحكومية دوراً مزدوجاً باعتبارها من أبرز ممولي القطاع ومن أكبر المشترين للروبوتات في الوقت نفسه، ما يرفع الطلب بصورة لا تعكس بالضرورة قوى السوق الحقيقية.

وقال المحلل بو تشاو إن الجدوى الاقتصادية لا تدعم حالياً الاستخدام الواسع لهذه الروبوتات، رغم أن أسواق رأس المال الصينية تمنح القطاع تقييمات مرتفعة استناداً إلى توقعات بشأن استخداماته المستقبلية.

ويرى تشاو فرصاً في مجالات محددة، مثل المنازل ومرافق الرعاية، إلا أنه يتوقع أن يظل الطلب في المدى القريب متركزاً في الأعمال الخطرة والمتكررة والمنظمة.

وقال كيفن شو، من شركة الاستثمار الأميركية "Interconnected Capital"، إن بعض مؤسسي الشركات وصفوا قطاع الروبوتات البشرية الصيني بأنه "فقاعة"، متوقعاً أن يشهد القطاع موجة اندماجات وخروج شركات من السوق عاجلاً أم آجلاً.

طفرة مدفوعة بمئات ملايين الدولارات الحكومية

وتضم الصين أكثر من 150 شركة للروبوتات البشرية، وفق اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، وهو عدد يتجاوز عدد العلامات التجارية الصينية للسيارات الكهربائية.

وأنفقت الحكومات الوطنية والإقليمية والمحلية ما لا يقل عن 230 مليون دولار على شراء الروبوتات البشرية والمعدات المرتبطة بها خلال النصف الأول من العام، ارتفاعاً من 62 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي و6 ملايين دولار في النصف الأول من 2024، وفق بيانات المشتريات العامة التي راجعتها "رويترز".

وفي حزيران/يونيو، طلبت وزارة الصناعة والجهة المنظمة للأصول الحكومية من عشر مقاطعات تحديد ما لا يقل عن 20 موقعاً لكل منها لتدريب الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي في بيئات واقعية.

وأعلنت شركة الكهرباء الحكومية "State Grid"، في نيسان/أبريل، خططاً لإنفاق مليار دولار على روبوتات بشرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي وروبوتات ثنائية الذراع وروبوتات شبيهة بالكلاب لصيانة الشبكات وفحص محطات الكهرباء.

وبحسب وسائل إعلام حكومية، يمكن لكل وحدة توفير ما بين 74 ألفاً و119 ألف دولار سنوياً من تكاليف العمالة وتقليل تعرض البشر للأعمال الخطرة.

وفي شنتشن، تستهدف السلطات إنشاء تجمع صناعي بقيمة 15 مليار دولار يضم أكثر من 1,200 شركة متخصصة في الروبوتات والذكاء المتجسد بحلول العام المقبل.

الإعانات تصنع جانباً من الطلب

وتظهر البيانات أن الطلب الحالي على الروبوتات البشرية يعتمد إلى حد كبير على المشتريات الحكومية والإعانات بدلاً من الطلب التجاري الطبيعي.

وفي الربع الأخير من العام الماضي، فازت "UBTech" بعقود جديدة بقيمة لا تقل عن 123 مليون دولار لتزويد شركات حكومية بروبوتات بشرية وتقنيات مرتبطة بها، وهي قيمة تجاوزت إجمالي إيرادات الشركة من الروبوتات البشرية خلال 2025 والبالغة 122 مليون دولار. وشحنت الشركة 1,079 روبوتاً بشرياً بالحجم الكامل خلال العام الماضي.

كما كشفت شركة "Deep Robotics"، ومقرها هانغتشو، أن الإعانات شكلت نحو 42% من صافي أرباحها البالغ 4.2 ملايين دولار خلال العام الماضي.

وفي الوقت نفسه، تدفع المنافسة الأسعار إلى الانخفاض. وتتوقع "مورغان ستانلي" تراجع متوسط سعر الروبوت البشري 15% خلال 2026، قبل أن يتعافى بشكل طفيف لاحقاً.

وانخفض متوسط سعر روبوت "Kuavo" كامل الحجم، الذي تنتجه "Leju Robotics"، بنسبة 26% خلال 2025 إلى نحو 46 ألف دولار.

الروبوتات الصناعية لا تزال أكثر كفاءة

ورغم العروض الاستعراضية للروبوتات البشرية، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت تستطيع توليد قيمة اقتصادية تبرر تكلفتها.

وقالت راشيل تان، الأمينة العامة لجمعية شنتشن للروبوتات، إن أذرع الروبوتات الصناعية التقليدية تتفوق عادة على الروبوتات البشرية في معايير التشغيل والموثوقية داخل المصانع.

وفي مصنع "شاومي" للسيارات الكهربائية في بكين، تصل نسبة الأتمتة في عملية التجميع إلى 91%، وتستخدم ورشة هياكل السيارات أكثر من 700 روبوت صناعي لتنفيذ عمليات اللحام والتثبيت ووضع المواد اللاصقة.

وتدرب "شاومي" روبوتات بشرية على مهام من بينها تركيب الصواميل، إلا أن الروبوتات الصناعية التقليدية لا تزال تهيمن على خطوط الإنتاج.

كما اختبرت علامة "Zeekr" التابعة لـ"Geely" روبوتات من "UBTech" في مصنعها بمدينة نينغبو لتنفيذ مهام تشمل فرز المواد ونقل الصناديق والتعامل مع المكونات، إلا أن الشركة أكدت أن الأذرع الروبوتية والمركبات الآلية تتولى حالياً جميع المهام الرئيسية على خط التجميع الفعلي.

استخدامات تجارية محدودة تبدأ بالظهور

وفي المقابل، بدأت بعض الاستخدامات التجارية المبكرة في الظهور. وتستخدم شركة "Galbot" روبوتاتها في صيدليات بأكثر من 20 مدينة صينية لمعالجة نقص الموظفين وتلبية طلبات توصيل الأدوية.

وفي إحدى صيدليات بكين، يستطيع روبوت الشركة اختيار المنتجات من الرفوف بعد تلقي الطلبات رقمياً، باستخدام كاميرات وأداة إمساك وكوب شفط للتعرف على المنتجات والتقاطها.

وقال تشاو يولي، كبير مسؤولي الاستراتيجية في "Galbot"، إن الروبوت يستطيع اختيار المنتج وتجهيزه خلال نحو دقيقة، فيما تتجاوز نسبة نجاحه 95%، وفق الشركة.

نقص البيانات يعرقل تطوير "عقول" الروبوتات

وتختلف أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الروبوتات البشرية عن النماذج اللغوية الكبيرة التي تشغل روبوتات المحادثة مثل "DeepSeek" و"Kimi".

فالروبوت الصناعي يحتاج إلى معالجة كميات ضخمة من البيانات البصرية وتحويل ما يراه إلى حركة جسدية دقيقة، مثل الإمساك بقطعة قماش أو ضبط مقدار القوة اللازمة لربط مسمار.

وتعرف هذه الأنظمة باسم نماذج "الرؤية واللغة والفعل"، وهي أكثر صعوبة في التدريب من النماذج اللغوية، لأنها تحتاج إلى آلاف الساعات من التعامل مع سيناريوهات واقعية.

ويقدر القطاع امتلاكه حالياً نحو 500 ألف ساعة من بيانات التدريب عالية الجودة، بينما يحتاج إلى نحو 100 مليون ساعة للوصول إلى مستوى متقدم من الذكاء الجسدي، بحسب تشاو.

وتواجه الروبوتات أيضاً صعوبة في التكيف مع التغييرات البسيطة في بيئة العمل، مثل اختلاف الإضاءة أو زاوية الجسم أو السطح أو المعدات.

القطاع يتجه نحو موجة اندماجات

ويتوقع عدد من مؤسسي شركات الروبوتات والمستثمرين بدء موجة اندماجات وإعادة هيكلة في أواخر 2026 أو خلال 2027، مع احتمال تقليص السلطات الصينية للإعانات وتركيز الدعم على الشركات الأكثر قدرة على الاستمرار.

وقال المستثمر روبرت وو إن الشركات تدرك أن الهدف التجاري النهائي لا يزال بعيداً، ولذلك تسعى حالياً إلى جمع أكبر قدر ممكن من رأس المال لضمان قدرتها على الصمود في حال انفجار "الفقاعة".

ورغم مخاطر الإفلاس وخروج عدد من المصنعين، يرى محللون أن الصين مرشحة للاحتفاظ بتفوقها في سلاسل توريد الروبوتات، ما قد يجعل المنافسين الأجانب يعتمدون على المكونات الصينية.

وظهر ذلك خلال بطولة "RoboCup 2026" في كوريا الجنوبية في تموز/يوليو، إذ أصبحت معظم الفرق المشاركة تستخدم روبوتات صينية، بعدما كانت الفرق في السابق تجلب روبوتاتها الخاصة.

ومع ذلك، لا تزال الروبوتات البشرية بطيئة وكثيرة الأخطاء بما يمنع انتشارها التجاري الواسع. وفي مركز ليوتشو، شاهدت "رويترز" أحد الروبوتات وهو يواجه صعوبة في حمل الصناديق، فيما قال أحد العاملين إن الروبوتات تنجز المهام البسيطة حالياً بسرعة أو إنتاجية تعادل نحو 20% فقط من أداء الإنسان.

وأضاف الموظف أن هذه الآلات قد تتمكن من اللحاق بالأداء البشري خلال عامين إلى ثلاثة أعوام.