996 تدخل قلب النزاع التجاري بين الصين وأوروبا.. وظروف العمل تتحول إلى ورقة ضغط

تتجه المواجهة التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي إلى مرحلة جديدة، بعدما بدأت ظروف العمل داخل المصانع والشركات الصينية تدخل في حسابات التنافس التجاري، إلى جانب الرسوم الجمركية والدعم الحكومي والطاقة الإنتاجية الفائضة. ويجد بعض العمال الصينيين في التشريعات الأوروبية أداة ضغط محتملة لتحسين ظروفهم وتقليص ساعات العمل الطويلة، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة أعباء الامتثال على الشركات المصدّرة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد بكين وبروكسل لمحادثات تجارية حساسة، بعدما منح الاتحاد الأوروبي الصين مهلة حتى تشرين أول/أكتوبر لمعالجة اختلالات تجارية يقول إنها تضر بالصناعات الأوروبية وتتسبب في فقدان الوظائف. وسجّل الاتحاد الأوروبي العام الماضي عجزاً تجارياً مع الصين بنحو مليار دولار يومياً.
وترى بروكسل أن جزءاً من الاختلال يرتبط بضعف الطلب المحلي الصيني، الذي يتأثر بتباطؤ نمو الأجور وضعف الحماية الاجتماعية والعمالية. فضعف الاستهلاك يقلل الطلب الصيني على الواردات، بينما تدفع الطاقة الإنتاجية الضخمة الشركات إلى تصريف مزيد من منتجاتها في الأسواق الخارجية بأسعار يصعب على المنتجين الأوروبيين منافستها.
لكن النقاش بدأ يتجاوز الاقتصاد الكلي ليصل إلى ظروف العمل نفسها، ولا سيما بعد اعتماد الاتحاد الأوروبي في عام 2024 قانوناً يحظر دخول المنتجات المصنوعة باستخدام العمل القسري أو غير الطوعي إلى السوق الأوروبية، على أن يبدأ تطبيقه في كانون الأول/ديسمبر 2027. ويشمل ذلك حالات مرتبطة بساعات العمل الإضافية المفرطة.
ويضع القانون الأوروبي ما يُعرف في الصين بثقافة «996» تحت المجهر، وهي نمط عمل يبدأ من التاسعة صباحاً وينتهي عند التاسعة مساءً، ستة أيام في الأسبوع. وتُظهر البيانات الرسمية أن متوسط ساعات العمل الأسبوعية في الصين يتجاوز 48 ساعة، مقابل حد قانوني يبلغ 44 ساعة.
وأعادت التوترات التجارية قضية «996» إلى واجهة النقاش على منصات التواصل الصينية. وحظي منشور على منصة «ريد نوت» بنحو 3 آلاف إعجاب بعدما أيد صاحبه تحرك الاتحاد الأوروبي ضد العمل القسري، قبل حذفه. كما تبادل مستخدمون معلومات حول آليات تقديم الشكاوى إلى السلطات الأوروبية.
وعلى منصة «دوين»، النسخة الصينية من «تيك توك»، تجاوزت مشاهدات مقاطع مرتبطة بوسوم تتعلق بآليات الإبلاغ في الاتحاد الأوروبي 200 ألف مشاهدة، بينما حصد أحد المقاطع التي تشرح طريقة تقديم الشكاوى أكثر من 5400 إعجاب و714 مشاركة.
ولا تشير هذه التفاعلات، حتى الآن، إلى موجة واسعة من الشكاوى الصينية. وقال مصدر في المفوضية الأوروبية إن الجهات المختصة تلقت ادعاءات غير رسمية بشأن انتهاكات عمالية، بينها العمل الإضافي المفرط، لكنها لم ترصد زيادة ملحوظة في الشكاوى خلال الفترة الأخيرة.
ومع ذلك، يرى خبراء أن أهمية الظاهرة تكمن في قدرتها على تحويل القواعد التجارية الخارجية إلى أداة ضغط على الشركات الصينية بشأن ظروف العمل الداخلية. وقال مينغوي ليو، مدير مركز العمل والتوظيف العالمي في جامعة روتجرز، إن بعض العمال اكتشفوا أن الشركات قد لا تبدي اهتماماً كبيراً بنزاع محلي بشأن ساعات العمل، لكنها قد تتعامل معه بجدية أكبر إذا أصبح مصدر تهديد لوصولها إلى الأسواق الغربية.
وتكشف هذه التطورات أيضاً عن اختلاف محتمل بين مصالح الشركات المصدرة والعاملين فيها؛ فخفض التكاليف وزيادة ساعات الإنتاج قد يعززان القدرة التنافسية للمصدر، لكنهما لا يعنيان بالضرورة تحسناً في ظروف العامل.
ويرى شياو تشيانغ، مؤسس «تشاينا ديجيتال تايمز»، أن هذه المناقشات تعكس إدراك بعض الصينيين أن مصالح المصدرين لا تتطابق بالضرورة مع ما يُقدَّم باعتباره مصلحة وطنية. والأهم هو انتقال شكاوى العمل المحلية إلى آليات إنفاذ قوانين تجارية أجنبية.
وقد يفرض هذا التحول تكاليف إضافية على الشركات الصينية، خصوصاً في الصناعات كثيفة العمالة، مع اضطرارها إلى تحسين أنظمة تسجيل ساعات العمل والأجور وتشديد الرقابة على الموردين وإثبات الالتزام بمعايير العمل في سلاسل التوريد.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، قالت إدارة الجمارك وحماية الحدود إن الأدلة على وجود ساعات عمل إضافية مفرطة ومنهجية وغير مدفوعة الأجر يمكن أن تؤدي إلى فتح تحقيقات في سلاسل التوريد. وناقش مستخدمون صينيون إمكانية اللجوء إلى الآليات الأميركية، إلى جانب الآليات الأوروبية.
وكان لو مينغ، عضو المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، قد حذر في آذار /مارس من هذه المخاطر، داعياً إلى تعزيز حماية العمال. وحذّر من أن دولاً أخرى قد تربط القدرة السعرية التنافسية للمنتجات الصينية بالعمل المفرط وانخفاض مستويات المعيشة، بما قد يؤدي إلى فرض حواجز تجارية.
وبذلك، تتحول حماية العمال من ملف اجتماعي داخلي إلى عنصر في السياسة الصناعية والتجارية الصينية.
وعلى المدى القصير، قد يؤدي رفع الأجور وتقليص ساعات العمل إلى زيادة تكاليف الشركات، لكنه قد يحقق في المقابل مكاسب اقتصادية أوسع عبر دعم دخول الأسر وزيادة وقت الفراغ، بما يعزز الاستهلاك المحلي الذي تسعى بكين إلى تنشيطه.
ومع اقتراب المحادثات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي، تكشف قضية «996» عن معادلة أكثر تعقيداً: بروكسل تسعى إلى تقليص الاختلالات التجارية وحماية صناعاتها، والعمال يطالبون بظروف عمل أفضل، بينما تحاول بكين الحفاظ على تنافسية صادراتها وتنشيط الطلب المحلي في الوقت نفسه.
وتشير التطورات إلى أن ظروف إنتاج السلع قد تصبح جزءاً متزايد الأهمية من قواعد المنافسة العالمية، بحيث لا يعود السؤال مقتصراً على سعر السلعة وكيفية إنتاجها، بل يمتد إلى الظروف التي أُنتجت فيها.



