فرنسا تواجه اختباراً مالياً جديداً مع تصاعد مخاطر الديون وضغوط الأسواق

تدخل فرنسا مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والمالي، مع استعداد الحكومة والبرلمان لخوض مواجهة صعبة بشأن موازنة عام 2027، وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع الدين العام وتراجع قدرة البلاد على ضبط عجزها.
وتأتي هذه المرحلة بعد اجتماع حكومي عقد في باريس عقب العطلة الصيفية، وقبل بدء سلسلة من مراجعات التصنيف الائتماني لفرنسا، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفرنسي ضغوطاً إضافية جراء ارتفاع عوائد السندات العالمية واستمرار تداعيات الحرب في إيران على النمو والتضخم.
وتُعد الموازنة المقبلة من أخطر التحديات المالية التي تواجه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال سنوات حكمه، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل ومايو المقبلين، واحتمال سعي المرشحين لخلافته إلى تغيير النهج الاقتصادي الذي اتبعته حكومته.
ويبلغ الدين العام الفرنسي نحو 117% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تواصل تكاليف خدمة الدين ارتفاعها، ما يحد من هامش المناورة أمام أي حكومة مقبلة لضبط الإنفاق والعجز.
وكانت الحكومة قد حذرت قبل العطلة الصيفية من صعوبة تحقيق هدف خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة مع 5.1% في 2025. ويُعد هذا المستوى من العجز من الأعلى في منطقة اليورو.
وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إنه لن يقترح ضرائب جديدة لعام 2027، بل سيسعى إلى تحقيق "وفورات هيكلية" للسيطرة على العجز، على أن يتم الكشف عن مشروع الموازنة في أواخر سبتمبر.
ويواجه هذا التوجه معارضة من أحزاب سياسية، خصوصاً الاشتراكيين الذين كان دعمهم غير المباشر ضرورياً لإقرار الموازنات خلال العامين الماضيين، فيما يستعدون لعرض مطالبهم بشأن موازنة 2027.
كما تواجه الحكومة ضغوطاً من جماعات مؤيدة لقطاع الأعمال، بعدما أشارت إلى احتمال الإبقاء على ضريبة إضافية على الشركات الكبرى، والتي كان من المقرر في الأصل أن تكون إجراءً مؤقتاً.
ويحذر محللون من أن الفشل في إقرار الموازنة قبل الانتخابات الرئاسية قد يجبر فرنسا على الاعتماد على تشريعات طارئة لتمديد الإجراءات الضريبية والإنفاقية الأساسية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة العجز وإضعاف ثقة المستثمرين والتأثير سلباً في الاستثمار والاستهلاك.
وفي الأسواق، تجاوز عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات مستوى 4% للمرة الأولى منذ نحو عقدين، بينما اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية إلى نحو 86 نقطة أساس، في إشارة إلى ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالديون الفرنسية.
وتواجه فرنسا أيضاً سلسلة من مراجعات التصنيف الائتماني، تبدأ بمراجعة وكالة فيتش في 28 أغسطس، تليها مراجعات من سكوب وDBRS في سبتمبر، ثم موديز في أكتوبر، وستاندرد آند بورز في نوفمبر.
وكانت فيتش قد خفضت تصنيف فرنسا خلال أزمة الموازنة في الخريف الماضي، قبل أن تؤكد تصنيفها في مارس مع التحذير من إمكانية اتخاذ إجراء سلبي إذا أدى عدم تنفيذ إجراءات ضبط المالية العامة إلى استمرار ارتفاع الدين على المدى المتوسط.
ويرى محللون أن خفض التصنيف من موديز قد يكون محتملاً بهدف مواءمة تصنيف فرنسا مع وكالات التصنيف الأخرى، لكن مخاطر خفض التصنيفات قد تتزايد إذا اتسع عجز الموازنة بشكل كبير.
وقال محللون إن تسجيل عجز عند مستوى 6% من الناتج المحلي الإجمالي قد يدخل فرنسا في مرحلة جديدة من خفض التصنيفات الائتمانية، ويزيد الضغوط على السندات الفرنسية والأسواق المالية.



