علاقات الصين وإيران.. شراكة اقتصادية كبيرة تخفي محدودية استراتيجية

تُعد الصين الشريك الاقتصادي الأبرز لإيران، إذ تشتري نحو 90% من صادراتها النفطية وتوفر لطهران منفذاً اقتصادياً مهماً في ظل العقوبات الغربية، إلا أن طبيعة العلاقات بين البلدين تبدو أقل استراتيجية وأكثر براغماتية مما يُعتقد على نطاق واسع.
ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى قبل ستة أشهر، اكتفت بكين إلى حد كبير بإدانة الهجمات والدعوة إلى التهدئة، من دون تقديم دعم عسكري أو أمني مباشر لطهران.
وزادت العلاقة بين الجانبين أهمية بعد تهديد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في أواخر آب/أغسطس بفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي تواصل التعامل مع إيران، في محاولة لزيادة عزلة الجمهورية الإسلامية. وأثارت هذه التهديدات احتمال حدوث مواجهة تجارية جديدة بين واشنطن وبكين قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في أيلول/سبتمبر.
غير أن حجم تعرض الصين للإجراءات الأميركية قد يكون أقل مما توحي به مكانتها كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ تمثل إيران جزءاً محدوداً للغاية من التجارة الصينية الإجمالية.
وبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تستحوذ الصين على نحو ثلث تجارة إيران، في حين تمثل التجارة الإيرانية أقل من 1% من إجمالي تجارة ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
كما يشكل النفط الإيراني المخفض السعر نحو عُشر واردات الصين النفطية المنقولة بحراً. ويساعد ذلك بكين في تنويع مصادر الطاقة إلى جانب موردين رئيسيين مثل روسيا والسعودية، إلا أن المحللين يرون أن هذه الكميات يمكن تعويضها من مصادر بديلة إذا اضطرت الصين إلى ذلك.
وعلى صعيد الاستثمارات، تبدو الفجوة كبيرة بين الاتفاقات المعلنة والتنفيذ الفعلي. ففي عام 2021، وقع وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتفاق تعاون استراتيجياً لمدة 25 عاماً مع إيران، وسط تقارير تحدثت حينها عن استثمارات صينية محتملة تصل إلى 400 مليار دولار.
إلا أن الاستثمارات المؤكدة منذ توقيع الاتفاق تراوحت فقط بين ملياري دولار و3 مليارات دولار، وفق أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في “ناتيكسيس”.
وتظهر البيانات الصينية الرسمية أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في إيران بلغ 4.5 مليارات دولار بنهاية عام 2024، مقابل 9.5 مليارات دولار في الإمارات.
كما يقدر مؤشر الاستثمار الصيني العالمي التابع لمعهد “أميركان إنتربرايز” إجمالي الاستثمارات الصينية في إيران منذ عام 2005 بنحو 4.7 مليارات دولار، تركز معظمها في قطاعي الطاقة والمعادن، مقارنة بنحو 16 مليار دولار في السعودية موزعة على الطاقة والتكنولوجيا والمعادن والترفيه.
وقال إسفنديار باتمانغليدج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “بورصة آند بازار” البحثية في لندن، إن وجود الشركات الصينية الكبرى في إيران “محدود للغاية” مقارنة بدول أخرى في المنطقة، بسبب المخاطر الناجمة عن العقوبات الأميركية الثانوية.
وتدخل إيران رسمياً ضمن مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. وكانت بكين أطلقت في عام 2016 أول قطار شحن يربط مدينة ييوو شرقي الصين بطهران مروراً بكازاخستان وتركمانستان، قبل أن تتوقف الخدمة خلال جائحة كورونا ثم تستأنف في عام 2024.
أما عسكرياً، فتظل العلاقات أكثر تحفظاً. وتوقفت الصين رسمياً عن بيع الأسلحة إلى إيران في عام 2005، بعدما اعتبرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران لا تلتزم ببنود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ما أدى لاحقاً إلى قيود دولية على صادرات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وظهرت خلال السنوات الماضية تقارير عن وصول أنظمة دفاع جوي صينية أو مكونات تستخدم في تصنيع وقود الصواريخ إلى إيران، لكن أياً من بكين أو طهران لم يؤكد هذه المعلومات رسمياً.
ويرى محللون أن الدعم الأكثر احتمالاً يتمثل في توريد مواد وتقنيات ذات استخدام مزدوج، يمكن استخدامها في الأغراض المدنية والعسكرية في الوقت نفسه. وخلال السنوات الثماني الماضية، أُدرج أكثر من 100 كيان صيني وهونغ كونغي على قوائم أميركية بسبب اتهامات بمساعدة إيران على الالتفاف على ضوابط التصدير.
دبلوماسياً، تستفيد الصين من عضوية إيران في تجمعات مثل “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون لدعم مساعيها إلى تقليص النفوذ الأميركي وتعزيز موقعها بين دول الجنوب العالمي.
لكن بكين تحافظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية وسياسية قوية مع خصوم إيران الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية والإمارات، ما يدفعها إلى اتباع سياسة موازنة دقيقة بدلاً من الانحياز الكامل إلى طهران.
وتجلت حساسية هذا التوازن خلال زيارة شي جين بينغ للسعودية عام 2022، عندما أثار بيان مشترك صيني سعودي انتقادات واسعة في إيران بعدما تطرق إلى الأنشطة الإقليمية لطهران.
كما تتصرف المؤسسات الصينية الكبرى بحذر حيال العقوبات الأميركية. فرغم أن بكين لا تعترف رسمياً بالعقوبات الأحادية، تتجنب شركاتها الحكومية عادة شراء النفط المدرج على القوائم السوداء مباشرة، كما سبق للمصارف الصينية الكبرى أن التزمت بقيود أميركية مرتبطة بإيران ودول أخرى تفادياً لخسارة الوصول إلى نظام المقاصة بالدولار.
ومع ذلك، لا تبدو الصين مستعدة للتخلي عن علاقاتها مع إيران. ففي 17 آب/أغسطس، أجرى نائب وزير الخارجية الصيني مياو ديو محادثات في بكين مع نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، أكد خلالها الطرفان رغبتهما في توسيع التعاون.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الصين ستواصل دعم إيران اقتصادياً ودبلوماسياً، لكن من دون تحويل العلاقة إلى تحالف أمني أو استراتيجي كامل، خصوصاً عندما تتعارض مصالح طهران مع علاقات بكين الأوسع في الخليج أو مع مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة.



