من يفوز في سباق العملات الرقمية للبنوك المركزية؟

ظهرت العملات المشفرة جزئياً بوصفها احتجاجاً على سياسات البنوك المركزية عقب الأزمة المالية العالمية قبل 18 عاماً، لكن مؤسسات نقدية في أوروبا وعدد من الأسواق الناشئة باتت اليوم تسابق “بيتكوين” و“تيثر” نحو عالم النقود الرقمية.
وتروّج البنوك المركزية لعملاتها الرقمية باعتبارها وسيلة لتوسيع الخدمات المالية وتحسين المدفوعات العابرة للحدود، غير أن الدافع الأبرز يتمثل في حماية السيادة النقدية من انتشار العملات المستقرة الخاصة، التي يستحوذ الدولار على نحو 98% من قيمتها السوقية.
وتخشى السلطات النقدية أن يؤدي انتقال الشركات والأفراد إلى استخدام العملات المستقرة المقومة بالدولار في المدفوعات والادخار إلى تقليص قدرة البنوك المركزية المحلية على تحفيز الاقتصاد أو مكافحة التضخم.
ولا يعمل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على إصدار دولار رقمي، فيما أسهم قانون “جينيوس” الذي أقرته الولايات المتحدة العام الماضي في توفير إطار تنظيمي للعملات الرقمية الخاصة المدعومة بسندات الخزانة الأميركية.
ويرى التقرير أن قوة العملات الرقمية لا تعتمد على تقنيتها فقط، بل على إتاحة الوصول إلى عملة موثوقة وأسواق مالية عميقة. ويمنح الدولار مستخدميه إمكانية الدخول إلى سوق سندات خزانة تبلغ قيمتها نحو 30 تريليون دولار، إضافة إلى سوق أسهم أميركية تقدر بنحو 80 تريليون دولار.
وأظهر مسح أجراه بنك التسويات الدولية وشمل 93 بنكاً مركزياً أن أكثر من ثلاثة أرباع المؤسسات العاملة على مشروعات العملات الرقمية تنظر إليها باعتبارها وسيلة للحفاظ على دور عملاتها الرسمية. إلا أن نجاح هذه المشروعات يظل مرهوناً بوجود طلب فعلي على العملة الأساسية.
وتبرز أوروبا باعتبارها الاقتصاد المفتوح الوحيد القادر على منافسة الدولار، لكن خططها لإطلاق اليورو الرقمي لا تعالج المشكلة الأساسية، وهي غياب سوق موحدة وعميقة للسندات الأوروبية.
ويمتلك اقتصاد منطقة اليورو حجماً يبلغ 18 تريليون دولار، فيما تصل قيمة السندات الحكومية القائمة إلى نحو 12 تريليون يورو /14 تريليون دولار/. إلا أن توزيعها على 21 سوق دين منفصلة يحدّ من سيولتها وقدرتها على منافسة سندات الخزانة الأميركية.
ورغم موافقة مشرعين أوروبيين في حزيران/يونيو على المضي في المحادثات المتعلقة بالإطار القانوني لليورو الرقمي، لا يُتوقع إطلاق العملة قبل عام 2029، فيما لا تزال قرارات أساسية معلقة، بينها الحد الأقصى لما يمكن للمستخدم الاحتفاظ به.
وتواجه المبادرة اعتراضات مصرفية وسياسية، إذ تحذر البنوك من احتمال خروج الودائع، بينما يخشى معارضون من زيادة الرقابة الحكومية والتكاليف المرتفعة للمشروع.
وفي المقابل، لم تحقق العملات الرقمية العاملة في جزر البهاما وجامايكا ونيجيريا النتائج الموعودة، إذ لم تتمكن من الحد من الدولرة أو توسيع الشمول المالي بصورة ملموسة، ولم يتجاوز استخدامها نسبة محدودة من السكان.
أما عملة الصين الرقمية “اليوان الإلكتروني”، فقد بدأت تحقق تقدماً في المعاملات بين البنوك خارج البر الرئيسي. ويشير ذلك إلى أن العملات الرقمية المخصصة للمؤسسات المالية قد توفر فوائد أوضح في تسهيل التحويلات العابرة للحدود مقارنة بالعملات الرقمية المتاحة للجمهور.
ويخلص التقرير إلى أن العملات الرقمية للبنوك المركزية لا تستطيع وحدها مواجهة هيمنة الدولار، وأن حماية العملات المحلية تتطلب سياسات مالية ونقدية سليمة وأسواقاً عميقة تحافظ على ثقة المستثمرين والمدخرين. أما بالنسبة إلى أوروبا، فإن بناء سوق موحدة للسندات قد يكون أكثر فاعلية من التركيز على إطلاق اليورو الرقمي.



