بولندا تبحث عن «اقتصاد 2.0» بعد تجاوز ناتجها المحلي تريليون دولار


تتطلع بولندا إلى صياغة مرحلة جديدة من نموها الاقتصادي بعد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي حاجز تريليون دولار، عبر استقطاب استثمارات ضخمة في قطاعات أكثر تقدماً، من التعدين والمعادن الاستراتيجية إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية.
وفي بلدة نوفا سول غرب البلاد، بدأت مؤشرات التغيير تظهر حتى قبل تنفيذ أحد أكبر المشاريع الاستثمارية المرتقبة في تاريخ بولندا، إذ تخطط شركة «لومينا ميتالز» الكندية لإنفاق 6.4 مليارات دولار على منشأة لاستخراج النحاس والفضة، من المتوقع أن تبدأ عملياتها في عام 2035.
وقالت الشركة إن رواسب النحاس والفضة التي اكتشفتها تعد الأكبر في أوروبا منذ نحو 70 عاماً، فيما انعكست التوقعات المرتبطة بالمشروع سريعاً على السوق العقارية المحلية، مع ارتفاع أسعار الشقق المعروضة للبيع.
ويجسد المشروع نوعية الاستثمارات التي تراهن عليها الحكومة البولندية للانتقال باقتصادها إلى مستوى جديد، بعدما اعتمد التحول الاقتصادي للبلاد خلال العقود الماضية بصورة كبيرة على العمالة منخفضة التكلفة ومئات المليارات من اليورو من الدعم الأوروبي.
وقال رئيس الوزراء دونالد توسك خلال إدراج «لومينا» في بورصة وارسو في حزيران/يونيو إن “بولندا لم تعد مجرد مركز للتجميع”، في إشارة إلى مساعي بلاده للتحول نحو صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.
وتشمل الاستراتيجية الحكومية جذب استثمارات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية وسلاسل توريدها، خصوصاً المعادن الضرورية لصناعة البطاريات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ورغم بعض الانتكاسات، أبرزها تخلي «إنتل» عن مشروع بقيمة 4.6 مليارات دولار لإنشاء مصنع لتجميع أشباه الموصلات، شهدت الأشهر الأخيرة الإعلان عن خطط استثمارية جديدة واسعة النطاق.
وتدرس شركات تايوانية إنشاء مجمع تكنولوجي في الموقع الذي كان مخصصاً لمشروع «إنتل»، لإنتاج إلكترونيات السيارات ومكونات خوادم الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية ولوحات الدوائر وأشباه الموصلات، في مشروع قد تصل قيمته إلى 20 مليار دولار.
كما تخطط شركة «فوكسكون» التايوانية لإنتاج سيارات كهربائية في مدينة يافوجنو بمنطقة سيليزيا الجنوبية، التي تعد أحد المراكز التاريخية لصناعة الفحم في بولندا.
وقال وزير المالية أندريه دومانسكي إن جودة الاستثمارات الأجنبية الجديدة أصبحت بالنسبة إليه أكثر أهمية من قيمتها، معتبراً أن مشروع «فوكسكون» يمثل نموذجاً لاستثمارات قادرة على نقل تقنيات متقدمة إلى البلاد.
وبموجب الاتفاق الأولي، من المتوقع أن تحصل بولندا على المعرفة التقنية وأن تصبح مركزاً لـ«فوكسكون» للإنتاج والمبيعات في الاتحاد الأوروبي ضمن خطط الشركة لدخول سوق السيارات في القارة.
ووصف دومينيك كوبينسكي، كبير المستشارين في المعهد الاقتصادي البولندي، هذا النوع من المشاريع بأنه استثمار ضمن نموذج «بولندا 2.0»، لأنه يساعد البلاد على الابتعاد عن دورها التقليدي كمركز لمصانع التجميع الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، تراهن بولندا على مواردها الطبيعية، إذ تضم أكبر احتياطيات النحاس في أوروبا وتسعى إلى زيادة إنتاج المعادن اللازمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«لومينا»، جوردان باندوف، إن تأمين إمدادات المعادن أصبح أكثر أهمية لأوروبا في ظل التوترات الجيوسياسية والحواجز التجارية، مشيراً إلى أن تطوير الرواسب الجديدة من شأنه دعم النمو الصناعي وأمن الطاقة في بولندا.
لكن المشروع يحتاج إلى ترخيص للتعدين قد يستغرق الحصول عليه نحو خمس سنوات، كما تطالب الشركة بخفض الضريبة المفروضة على النحاس، وهو ما يشكل تحدياً للحكومة في ظل عجز قياسي في الموازنة.
وعلى المستوى المحلي، قد تكون آثار المشروع هائلة على نوفا سول والمنطقة المحيطة بها، إذ تعادل قيمة الاستثمار نحو 30% من الناتج المحلي لمنطقة لوبوسكي.
وتتحدث «لومينا» عن توفير نحو 6 آلاف وظيفة مباشرة في بلدة يبلغ عدد سكانها نحو 36 ألف نسمة، فيما قد يصل عدد فرص العمل المرتبطة بالنشاط الاقتصادي في المنطقة إلى 40 ألفاً.
وقال مسؤول مقاطعة نوفا سول ماريوس ستوكلوسا إن الأثر الأهم الذي يأمل أن يحققه المشروع هو وقف نزوح السكان من المنطقة، مضيفاً أنه ربما لا يحولها إلى “وادي سيليكون جديد”، لكنه قد يفتح آفاقاً مختلفة أمام الأجيال المقبلة.
وتراهن البلدة على تكرار تجربة مناطق مجاورة استفادت على مدى عقود من استثمارات شركة التعدين الحكومية «كي جي إتش إم بولسكا ميدز»، التي أسهم نشاطها في النحاس في رفع مستويات الدخل وتطوير البنية الاقتصادية للمجتمعات المحيطة.
وكانت نوفا سول قد عانت بعد انهيار اثنين من مصانعها الرئيسية مع نهاية الحقبة الشيوعية عام 1989، إذ تجاوز معدل البطالة فيها 40% وظل مرتفعاً حتى العقد الأول من الألفية، قبل أن تجذب منطقة اقتصادية خاصة مستثمرين جدداً وينخفض معدل البطالة حالياً إلى نحو 8%.
وبالنسبة إلى سكانها، فإن نجاح مشروع «لومينا» قد يمثل تحولاً اقتصادياً غير مسبوق، وينقل البلدة من منطقة اعتادت الهجرة منها إلى مركز جديد للاستثمار والصناعة في بولندا.



