ماساتشوستس تشدد رقابة الذكاء الاصطناعي وسط تحذيرات أوبن إيه آي

يتجه مشرعون في ولاية ماساتشوستس إلى إقرار واحدة من أكثر القواعد صرامة في الولايات المتحدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، في خطوة أثارت انقسامًا داخل القطاع، بالتزامن مع مساعي حاكم الولاية ماورا هيلي لجذب شركات الذكاء الاصطناعي وتعزيز نمو القطاع، بحسب بلومبيرغ .
ويتضمن مشروع قانون للتنمية الاقتصادية أقره مجلس شيوخ الولاية الشهر الماضي إلزام مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة بإجراء مراجعات مستقلة للمخاطر الكارثية التي قد تشكلها نماذجها المتقدمة مرة واحدة على الأقل كل 120 يومًا، في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى الولايات الأميركية. وستُنشر نتائج هذه المراجعات للعامة، لكن الولاية لن تتمكن من استخدامها لوقف تطوير الذكاء الاصطناعي.
وتتجاوز هذه الأحكام قوانين حديثة أُقرت في ولايات كاليفورنيا ونيويورك وإلينوي، وتأتي في وقت تسعى فيه هيلي وقادة آخرون إلى تعزيز قطاع الذكاء الاصطناعي في الولاية والحد من انتقال المواهب في الشركات الناشئة إلى مناطق أخرى.
وكانت هيلي، وهي ديمقراطية تستعد لخوض الانتخابات المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر، قد استبعدت إجراءات حماية الذكاء الاصطناعي التي أقرها مجلس الشيوخ من مقترحها الأولي للتنمية الاقتصادية، فيما لا تزال بحاجة إلى التوصل إلى اتفاق مع مجلس النواب بشأن هذه الأحكام.
وتدعم شركة أنثروبيك تشديد تنظيم الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات في ظل غياب معيار اتحادي، ووصفت مقترح ماساتشوستس بأنه "أوضح وأقوى تشريع للذكاء الاصطناعي في البلاد".
في المقابل، تحذر أوبن إيه آي من أن المراجعات المتكررة قد تبطئ إطلاق نماذج للأمن السيبراني يمكن أن تساعد في مواجهة المخاطر التي يخشى منها المشرعون، وتفضل اعتماد الولايات معيارًا موحدًا على غرار القانون المطبق في إلينوي.
وقال دوني فاولر، رئيس سياسات الولايات والشراكات في أوبن إيه آي، إن عدم توحيد القواعد لا يعني مزيدًا من الأمان، بل يعني مزيدًا من الارتباك.
وبموجب القانون في إلينوي، تخضع مختبرات الذكاء الاصطناعي لتدقيق من طرف ثالث مرة واحدة سنويًا، للتأكد من التزامها بإرشادات السلامة الخاصة بها والإفصاحات المطلوبة قانونًا. أما مقترح ماساتشوستس فيتضمن مراجعة سنوية مماثلة للامتثال، لكنه يمنح جهات خارجية صلاحية تقييم مخاطر النماذج بصورة مستقلة عن إرشادات مطوريها كل بضعة أشهر.
وستقيّم الجهات المستقلة احتمال تسبب النماذج في كوارث تؤدي إلى وفاة أو إصابة خطيرة لما لا يقل عن 50 شخصًا، أو تتسبب في أضرار بالممتلكات تبلغ مليار دولار أو أكثر.
وشبه فاولر عمليات التدقيق السنوية في إلينوي بفحص السيارة مرة سنويًا للتأكد من عمل أضواء المكابح ومساحات الزجاج، في حين وصف عمليات التقييم الأكثر تكرارًا المقترحة في ماساتشوستس بأنها أشبه بتفكيك محرك السيارة ثم إعادة تركيبه.
وترى أنثروبيك أن إجراء تقييمات أكثر شمولًا من أطراف مستقلة ضروري، لأن القطاع لا ينبغي أن يكون الجهة التي تقيّم أعماله بنفسه، وفقًا لما قاله سيزار فرنانديز، رئيس علاقات الشركة مع حكومات الولايات والحكومات المحلية في الولايات المتحدة.
وتدعم أنثروبيك المقترح، لكنها ترى أن الولايات قد تحتاج إلى فرض رقابة أكثر صرامة مستقبلًا مع تطور التكنولوجيا.
وتتنافس أنثروبيك وأوبن إيه آي للتأثير في الصيغة النهائية للتشريع. فقد استعانت أنثروبيك بشركة تريمونت ستراتيجيز غروب، وهي شركة ضغط في بوسطن، في وقت سابق من العام، بينما تعاقدت أوبن إيه آي مع شركة بنشمارك ستراتيجيز خلال الأسابيع الأخيرة.
ومن المرجح أن يقر المجلس التشريع الأوسع قبل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، نظرًا إلى أنه يتضمن أيضًا تمويلًا لمشروعات في دوائر المشرعين. ويعمل فريق من ستة أعضاء من مجلسي الشيوخ والنواب على تسوية التفاصيل، بما فيها قواعد الذكاء الاصطناعي.
وقال السيناتور عن الولاية باري فاينغولد، أحد أعضاء فريق المفاوضات، إن التقييمات المستقلة ضرورية لضمان عدم تسبب النماذج المتقدمة في أضرار كبيرة، مضيفًا أن اعتماد ماساتشوستس هذه الإجراءات سيدفع ولايات أخرى إلى حذوها.
وقال فاينغولد "إن الولايات تأخرت في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، وسمحت بمرور الكثير من الأمور من دون وضع ضوابط، والآن نحاول اللحاق بالركب. لا نريد تكرار ذلك".
واكتسبت سلامة الذكاء الاصطناعي أهمية أكبر خلال الشهر الماضي، بعدما أعلنت أوبن إيه آي وأنثروبيك وميتا بلاتفورمز عن حوادث تمكنت فيها نماذجها، عن غير قصد، من اختراق أنظمة تابعة لأطراف ثالثة خلال بيئات اختبار.
ولا تزال الرقابة الفيدرالية محدودة، إذ يتبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهجًا متساهلًا إلى حد كبير، بينما يواجه تشريع يحظى بدعم من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ويهدف إلى منع قوانين الولايات المتباينة بشأن الذكاء الاصطناعي حالة من الجمود في الكونغرس.
وبدأت الولايات في سد هذه الفجوة، لكنها في الوقت نفسه تتنافس على الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي التي تسهم بنسبة كبيرة في النمو الاقتصادي الحالي للولايات المتحدة.
وفي شباط/فبراير، أعلنت ماساتشوستس شراكة مع أوبن إيه آي، لتصبح أول ولاية تتيح لجميع فروع حكومتها التنفيذية الوصول إلى مساعد للذكاء الاصطناعي يعمل بتقنية تشات جي بي تي. وقالت هيلي عند إعلان الشراكة إنها ستجعل الحكومة أسرع وأكثر كفاءة وفاعلية.
وفي وقت سابق من الربيع، بحثت هيلي ووزير التنمية الاقتصادية في الولاية إريك بالي، وهو مسؤول سابق في قطاع رأس المال المغامر، مع رئيسة أنثروبيك دانييلا أمودي إمكانية توسيع حضور الشركة في ماساتشوستس وإقامة شراكات معها في مجالات مثل الأمن السيبراني وتطوير القوى العاملة، وفق رسائل بريد إلكتروني حصلت عليها بلومبيرغ بموجب طلب للحصول على سجلات عامة.
ودعا فرنانديز هيلي وبالي إلى مقر أنثروبيك في سان فرانسيسكو، جزئيًا لمناقشة أطر الحوكمة المسؤولة التي يمكن أن تكون نموذجًا وطنيًا.
وفي رسالة لاحقة، اقترح بالي استكشاف شراكات أخرى، منها التكنولوجيا الحيوية ومحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي في المدارس. وقال لفرنانديز إن على الجميع تقديم أمثلة أوضح على كيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحسين حياة البشر وتقديم نماذج إيجابية لمواجهة المخاوف المتزايدة بشأن التكنولوجيا.
كما عرض بالي التواصل مع أحد مشرعي الولاية بشأن التعاون في الرقابة على الذكاء الاصطناعي.
وقالت متحدثة باسم هيئة التنمية الاقتصادية في الولاية إن إدارة هيلي ستعمل مع المشرعين على وضع الصيغة النهائية للتشريع هذا الخريف، بهدف وضع ضوابط مناسبة على تطوير الذكاء الاصطناعي، مع مواصلة دعم اقتصاد الابتكار والوظائف والقدرة التنافسية في الولاية.
ومن المرجح أن يكون الملف حاضرًا في الانتخابات المقبلة لمنصب الحاكم. ووصف مايكل مينوج، المسؤول التنفيذي السابق في قطاع الأجهزة الطبية والمرشح الأوفر حظًا لنيل ترشيح الحزب الجمهوري، التقييمات المقترحة من أطراف ثالثة بأنها تشدد تنظيمي مفرط.
وقال مينوج في مقابلة مع بلومبيرغ في بوسطن الأسبوع الماضي: "كيف يمكن لغير المتخصص أن يقدم المشورة إلى خبير يبني شيئًا جديدًا كل 120 يومًا؟ إذا كنت شركة للذكاء الاصطناعي، فلن آتي إلى هنا الآن".
وبموجب مقترح ماساتشوستس، ستتمكن الجهات المقيّمة من استجواب مختبرات الذكاء الاصطناعي والحصول على جميع المواد اللازمة بشكل معقول لتقييم المخاطر الكارثية. وسيتولى المدعي العام وضع معايير اعتماد الجهات الخارجية التي ستتولى التقييم.
ولا يخصص مشروع القانون تمويلًا حكوميًا لهذه المهمة، بل يسمح لمطوري الذكاء الاصطناعي بدفع تكاليف الجهات المقيّمة. وستقتصر التقييمات على مختبرات الذكاء الاصطناعي التي تتجاوز إيراداتها السنوية الإجمالية 500 مليون دولار.
وعلى غرار قوانين كاليفورنيا ونيويورك وإلينوي، يتضمن مشروع قانون ماساتشوستس أيضًا حماية للمبلغين عن المخالفات من العاملين في مختبرات الذكاء الاصطناعي، ويلزم المطورين بالكشف عن ممارسات السلامة والإبلاغ عن حوادثها.
وفي حال فشل مطور للذكاء الاصطناعي في الإبلاغ عن حادث أو الالتزام بخطة السلامة الخاصة به، يمكن للمدعي العام فرض غرامة تصل إلى مليون دولار للمخالفة الأولى، وإلى 3 ملايين دولار للمخالفات اللاحقة.



