المدارس الأميركية تنتقل من حظر الذكاء الاصطناعي إلى تعليم استخدامه

تتجه أعداد متزايدة من المدارس الحكومية في الولايات المتحدة إلى تغيير طريقة تعاملها مع أدوات الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من محاولات حظرها إلى تدريب المعلمين والطلاب على استخدامها بصورة آمنة وأخلاقية وفعالة، مع التركيز على كشف أخطائها وعدم الاعتماد عليها بديلاً عن التفكير والتحليل. وفي مقاطعة تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، اجتمع معلمون ومديرو مدارس استعداداً للعام الدراسي الجديد في جلسة تدريبية تناولت كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية، حيث طلبت المدربة أماندا بيكرستاف، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمنظمة "AI for Education"، من أداة للذكاء الاصطناعي إنشاء خريطة للعالم، لتظهر النتيجة مليئة بالأخطاء في أسماء الدول ومواقعها، في تجربة هدفت إلى إظهار مخاطر الثقة المفرطة بهذه الأدوات وميل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى "الهلوسة" واختلاق المعلومات، وفق وكالة أسوشييتد برس.
محو أمية الذكاء الاصطناعي يدخل المدارس
وأصبح مفهوم "محو أمية الذكاء الاصطناعي" محوراً بارزاً مع بداية العام الدراسي، إذ يحاول المعلمون تحقيق توازن بين إعداد الطلاب لمستقبل يعتمد بصورة متزايدة على هذه التكنولوجيا، ومنعهم في الوقت نفسه من تفويض عمليات التفكير والبحث بالكامل إلى روبوتات المحادثة.
ولا يوجد حتى الآن تعريف موحد لمحو أمية الذكاء الاصطناعي أو طريقة واحدة لتدريسه. وتقدم شركات تكنولوجية، بينها "OpenAI" و"غوغل" و"أنثروبيك"، دورات تدريبية للمدارس حول استخدام أدواتها، إلا أن توجهاً متزايداً بين التربويين يرى أن المهارة لا تقتصر على استخدام الذكاء الاصطناعي أو كتابة الأوامر بطريقة جيدة.
وقالت ريبيكا وينثروب، مديرة مركز التعليم الشامل في معهد بروكينغز، إن محو الأمية الجيد في مجال الذكاء الاصطناعي يشمل أيضاً "معرفة متى يجب عدم استخدامه".
تشارلستون تضع قواعدها الخاصة
وأصدرت 37 ولاية أميركية حتى الآن إرشادات رسمية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن للمدارس الاستناد إليها، فيما لا تزال ساوث كارولاينا خارج هذه القائمة.
ودفع ذلك منطقة مدارس مقاطعة تشارلستون، ثاني أكبر منطقة تعليمية في الولاية وتضم نحو 50 ألف طالب، إلى تطوير نهجها الخاص بالتعاون مع منظمة "AI for Education"، التي ساعدت أيضاً مدارس شيكاغو وهيوستن وعشرات المناطق التعليمية الأخرى في إعداد إرشادات مماثلة.
وبدأت المرحلة الأولى بوضع سياسة خاصة بالذكاء الاصطناعي بعد استطلاع آراء المعلمين والطلاب وأولياء الأمور. وأظهرت مجموعات نقاش طلابية أن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح واسع الانتشار بين الطلاب، لكنه يجري في كثير من الأحيان من دون توجيه أو قواعد واضحة.
وتشير دراسات، وفق أسوشييتد برس، إلى أن غالبية المراهقين والمعلمين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الأعمال المدرسية، لكن معظمهم يتعلمون استخدامه بأنفسهم، فيما لا يمتلك سوى عدد محدود منهم فهماً تقنياً لهذه الأدوات أو تدريباً رسمياً على آلية عملها.
تحذيرات من تكرار أخطاء وسائل التواصل
وتسعى المدارس وأولياء الأمور إلى تجنب تكرار تجربة وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما تُرك الأطفال لسنوات يستكشفون العالم الرقمي من دون توعية كافية بشأن الخوارزميات المصممة لجذب المستخدمين وثقافة المقارنة وغيرها من المخاطر المرتبطة بتراجع القدرة على التركيز ومشكلات الصحة النفسية لدى الشباب.
ومع انطلاق العام الدراسي في تشارلستون، تبدأ المرحلة الثانية من الخطة، التي تشمل تدريب المعلمين وطلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية عبر دورات حضورية وإلكترونية حول آلية عمل أدوات الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامها بفعالية.
ويعرض البرنامج الطلابي مواقف مألوفة، مثل طلب المساعدة من روبوت محادثة في إعداد بحث مدرسي، لإظهار أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقدم معلومات شديدة الخطأ، بما في ذلك دراسات غير موجودة، وبصيغة تبدو واثقة ومقنعة.
ويوصي البرنامج الطلاب بالتحقق دائماً من المعلومات الواقعية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عند استخدامها في الواجبات المدرسية.
كما يتضمن قسماً عن خصوصية البيانات، يحذر الطلاب من مشاركة المعلومات الشخصية مع أدوات الذكاء الاصطناعي، نظراً إلى احتمال تخزين المحادثات أو استخدامها في تدريب النماذج وفق سياسات الخدمة المعنية.
تعليم الطلاب التفكير بدلاً من نسخ الإجابات
وقال المدرس راي كناور، الذي شارك في التدريب الصيفي، إنه يعتزم استخدام أمثلة على تحيز الذكاء الاصطناعي وهلوساته لإثارة النقاش بين طلابه وتشجيعهم على التفكير النقدي.
وأضاف أن المعلمين ما زالوا يحاولون تحديد التوازن المناسب بين عدم تخويف الطلاب من الذكاء الاصطناعي وعدم دفعهم إلى اللجوء إليه في كل مهمة، مؤكداً ضرورة تعليم الطلاب عدم الاكتفاء بالحصول على إجابة، بل تحليلها والتعمق فيها.
يوتا تتبنى نهجاً على مستوى الولاية
وفي مقابل المبادرات التي تقودها المناطق التعليمية، كانت ولاية يوتا من أوائل الولايات التي تبنت نهجاً مركزياً تجاه الذكاء الاصطناعي في التعليم.
وعين مجلس التعليم في الولاية مات وينترز عام 2024 متخصصاً في تعليم الذكاء الاصطناعي، لتصبح يوتا أول ولاية تنشئ وظيفة بدوام كامل للإشراف على استخدام هذه التكنولوجيا في المدارس.
وخلال العام الماضي، قاد وينترز تدريبات لأكثر من 7 آلاف معلم، أي ما يقارب ثلث معلمي المدارس الحكومية في الولاية، كما يعمل على مساعدة المناطق التعليمية في وضع سياسات للذكاء الاصطناعي يتعين اعتمادها بحلول تموز 2027 بموجب قانون الولاية.
وحذت ولايات أخرى حذو يوتا بإنشاء وظائف مماثلة، من بينها مين ووست فرجينيا وجورجيا.
وتبدأ التدريبات في يوتا بشرح أساسيات عمل الذكاء الاصطناعي، قبل الانتقال إلى موضوعات مثل التحيز والهلوسة والقضايا الأخلاقية وخصوصية البيانات، ثم يمكن للمعلمين الحصول على تدريبات إضافية حول أدوات محددة.
وساهمت الولاية أيضاً في التفاوض على اتفاقيات لحماية البيانات وأسعار مخفضة لأدوات الذكاء الاصطناعي، ما أتاح للمناطق الريفية والأقل تمويلاً إمكانية الوصول إلى هذه التقنيات.
تفاوت الموارد يثير مخاوف تعليمية
وفي الولايات التي لا تتبنى سياسة مركزية، تختلف طرق التعامل مع الذكاء الاصطناعي من منطقة تعليمية إلى أخرى. ويتطلب توفير تدريب شامل استثمارات مالية كبيرة، ما يثير مخاوف من عدم حصول الطلاب في المناطق الأقل تمويلاً على المستوى نفسه من التدريب والموارد.
وحصل أحد برامج التدريب في يوتا على منحة بقيمة 500 ألف دولار من مؤسسة محلية للرعاية الصحية، ما أتاح لفريق متخصص تنفيذ أكثر من 150 دورة لمحو أمية الذكاء الاصطناعي في مناطق حضرية وريفية.
ويرى مسؤولون تربويون أن الحظر الشامل ليس حلاً طويل الأمد، وأن الهدف يجب أن يكون تعليم الطلاب ماهية التكنولوجيا وكيف تعمل ومتى يمكن استخدامها ومتى ينبغي تجنبها.
وقالت كريستينا يامادا، المتخصصة في التكنولوجيا الرقمية بمجلس التعليم في يوتا، إن على المعلمين أيضاً تغيير نظرتهم إلى استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي باعتباره مرادفاً للغش.
وأوضحت أن تعليم الأطفال الأصغر سناً يمكن أن يبدأ بفكرة بسيطة مفادها أن الأشخاص والبرامج والروبوتات يمكن أن تقدم معلومات غير صحيحة، بينما يحتاج الطلاب الأكبر سناً إلى فهم أن استخدام أدوات مثل "ChatGPT" لكتابة التعليمات البرمجية لا يعفيهم من ضرورة امتلاك المهارات التي تسمح لهم بإصلاحها عندما تتوقف عن العمل.




