الأسهم الأوروبية تستعيد بريقها مع تراجع شهية المستثمرين تجاه وول ستريت


يتجه المستثمرون بصورة متزايدة نحو تفضيل الأسهم الأوروبية على نظيرتها الأميركية، مع تحسن آفاق اقتصاد المنطقة وقوة نتائج الشركات، في وقت تتزايد فيه المخاوف حيال الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي لدى شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، وفق "بلومبيرغ".
وأظهر استطلاع أجراه "بنك أوف أميركا" أن نحو 47% من مديري الصناديق يتوقعون أن تتفوق عوائد الأسهم الأوروبية بشكل طفيف على الأسهم الأميركية خلال العام المقبل، وهي أعلى نسبة منذ ما قبل اندلاع حرب إيران في شباط/فبراير.
ويستند هذا التفاؤل إلى ثقة قوية بالاقتصاد الأوروبي، إذ قال نحو 97% من المشاركين إنهم لا يتوقعون دخول أوروبا في حالة ركود، وهي أعلى قراءة منذ عام 2007. كما يرى أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين أن أي مكاسب إضافية للأسهم ستأتي بصورة رئيسية من رفع توقعات الأرباح.
وقال استراتيجي "بنك أوف أميركا" أندرياس بروكنر: "نعود إلى فكرة الرهان على أوروبا التي برزت في بداية العام، قبل أن توقفها حرب إيران بشكل مفاجئ".
أرباح قوية تعيد أوروبا إلى الواجهة
وسجلت الأسهم الأوروبية مستويات قياسية خلال آب/أغسطس، بعد أفضل موسم لنتائج الشركات في نحو أربعة أعوام، بالتزامن مع ظهور فارق واضح في زخم النمو الاقتصادي بين أوروبا والولايات المتحدة.
ويظهر مؤشر تابع لـ"سيتي غروب" أن البيانات الاقتصادية الأوروبية تتجاوز التوقعات بأكبر هامش منذ شباط/فبراير 2023، في حين أظهرت مؤشرات أميركية، من بينها مبيعات التجزئة وبيانات الوظائف، ضعفاً في القراءات الأخيرة.
ورغم أن صعود الأسهم رفع تقييمات الشركات الأوروبية، يرى بعض المستثمرين أن هذه المستويات مبررة في ضوء تحسن الأرباح، بدلاً من الاعتماد فقط على كون الأسهم الأوروبية أرخص من نظيرتها الأميركية.
ويتداول مؤشر "ستوكس 600" حالياً عند نحو 15 ضعف الأرباح المستقبلية، ليقترب الفارق في تقييمه مقارنة بمؤشر "ستاندرد آند بورز 500" من أدنى مستوياته منذ شباط/فبراير 2022.
وقال جاستن أونوكوسي، كبير مسؤولي الاستثمار في "سانت جيمس بليس"، إن الخصم في تقييم الأسهم الأوروبية مقارنة بالسوق الأميركية لا يزال جذاباً، لكن المستثمرين باتوا يركزون بصورة أكبر على الأرباح والدخل بدلاً من التقييمات وحدها. ويعطي أونوكوسي وزناً أكبر للأسهم الأوروبية في محافظه، مقابل موقف سلبي من الأسهم الأميركية.
عوائد السندات تختبر موجة التفاؤل
لكن الارتفاع الأخير في عوائد السندات بدأ يختبر قوة هذا التفاؤل، إذ وصلت تكاليف الاقتراض الفرنسية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2008 خلال الأسبوع الجاري، بينما تداولت نظيرتها الألمانية عند مستويات تعود إلى عام 2011.
ويأتي ذلك مع استمرار ارتفاع أسعار النفط وتصاعد المخاوف بشأن التضخم، في ظل تعثر التوصل إلى هدنة دائمة بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب "بلومبيرغ".
ولم يتمكن مؤشر "ستوكس 600" من تسجيل مكاسب خلال آب/أغسطس، متخلفاً عن ارتفاع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 2.7%، بعد شهرين متتاليين من تفوق الأسهم الأوروبية.
وأظهر استطلاع "بنك أوف أميركا" أن أكثر من نصف المشاركين يتوقعون ارتفاع أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي خلال العام المقبل. لكن ارتفاع الفائدة لا يعني بالضرورة تعرض الأسهم لموجة بيع، إذ تشير التجارب السابقة إلى إمكانية استمرار صعود الأسواق ما دام النمو الاقتصادي قوياً بما يكفي لدعم أسعار الفائدة المرتفعة.
مخاوف الذكاء الاصطناعي تمنح أوروبا أفضلية
وفي الوقت نفسه، تمنح المخاوف المرتبطة بالإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي لدى أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية ميزة إضافية للأسهم الأوروبية.
فعلى عكس السوق الأميركية التي تضم عدداً كبيراً من الشركات صاحبة الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، تميل المؤشرات الأوروبية بقوة نحو قطاعات تساعد على توفير البنية الأساسية لهذه التكنولوجيا، مثل البنية التحتية والطاقة الخضراء، إضافة إلى الشركات المتوقع استفادتها من اعتماد الذكاء الاصطناعي.
وقال ألبيش باتيل، الشريك الإداري في "روت بريدج كابيتال"، إن القطاعات الدورية الأقل ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي أصبحت مثيرة للاهتمام، لأنها تحقق أرباحاً وتتمتع بالمرونة، ما يوفر وسيلة لتنويع المحافظ بعيداً عن الأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وترى ماديسون فالر، استراتيجية الاستثمار العالمي في "جيه بي مورغان برايفت بنك"، أن الانتقائية أصبحت ضرورية بعد صعود السوق هذا العام، مفضلةً أسهم الشركات المالية والصناعية الأوروبية التي قد تستفيد من تحسن البيئة الاقتصادية.
كما تفضل فالر الشركات التي تمتلك أصولاً مادية يصعب استبدالها وتكون أقل عرضة للاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.
وتشير بيانات مراكز المستثمرين إلى وجود مجال إضافي لزيادة الاستثمار في الأسهم الأوروبية. وأظهر استطلاع "بنك أوف أميركا" أن صافي 6% من مديري الصناديق يمنحون أسهم منطقة اليورو وزناً أكبر من المعتاد في محافظهم، وهي نسبة لا تزال أقل بقليل من متوسطها طويل الأجل.
في المقابل، بلغ الانكشاف على الأسهم الأميركية أعلى مستوى له منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، عند نحو 1.5 انحراف معياري فوق المتوسط، ما يشير إلى إمكانية استمرار تحول جزء من رؤوس الأموال نحو الأسواق الأوروبية.




