النماذج الصينية الأقل كلفة تقلق عمالقة الذكاء الاصطناعي الأميركي

تقترب شركات الذكاء الاصطناعي الصينية من منافسة نظيراتها الأميركية عبر تطوير نماذج أكثر كفاءة وأقل كلفة، وتوسيع الاعتماد على نماذج الأوزان المفتوحة، بحسب بلومبيرغ.
وركزت شركات مثل ديب سيك وعلي بابا ومون شوت على تطوير أنظمة تقدم أداءً يقترب من أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية من دون الحاجة إلى أقوى المعدات، فيما تراهن الصين على إتاحة أوزان النماذج للمطورين لتنزيلها ودراستها وتعديلها، بما يسرّع انتشار الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد.
ويشكل هذا النهج تحدياً لنموذج الأعمال الأميركي القائم على استثمارات بمليارات الدولارات وتقديم تقنيات ذكاء اصطناعي مملوكة مقابل أسعار مرتفعة، خصوصاً مع قدرة النماذج الصينية على تحقيق نتائج متقدمة باستخدام موارد حوسبية أقل.
وتحد ضوابط التصدير الأميركية من وصول الصين إلى رقائق مصممة في الولايات المتحدة، تتميز بسرعة أعلى بنحو 20% واستهلاك أقل للطاقة بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بنظيراتها الصينية. ورداً على ذلك، تعمل شركات التكنولوجيا الصينية على تطوير برمجيات أكثر كفاءة تحتاج إلى خطوات حسابية أقل لتحقيق نتائج مماثلة لتلك التي تقدمها النماذج الأميركية.
وتستخدم بعض هذه النماذج تقنية مزيج الخبراء، التي تتيح تشغيل شبكات فرعية متخصصة بدلاً من تفعيل الشبكة العصبية بأكملها عند معالجة طلب المستخدم. ووفق بيانات الأداء التي نشرتها ديب سيك، لا تستخدم سوى نحو 3% من معايير نموذج DeepSeek-V4-Pro في أي لحظة، فيما يعمل نموذج Kimi K3 من مون شوت بأقل من 4% من معاييره في الوقت نفسه.
ورغم استمرار أوبن إيه آي وأنثروبيك وغوغل في تقديم نماذج رائدة، دخل Kimi K3 من مون شوت وQwen 3.8 Max من علي بابا قائمة أفضل ثمانية نماذج للغات الكبيرة وفق تصنيف LiveBench. كما تتميز النماذج الصينية بانخفاض كلفتها؛ إذ يبلغ سعر مليون رمز من مخرجات GPT-5.6 Sol التابع لأوبن إيه آي 30 دولاراً اعتباراً من 15 آب/أغسطس، مقابل 3.96 دولارات لنموذج DeepSeek-V4 Pro خلال ساعات الذروة.
واتهمت أنثروبيك شركات ديب سيك ومون شوت وميني ماكس بتنفيذ هجمات تقطير على نطاق صناعي، عبر استخدام 24 ألف حساب احتيالي لاستخراج قدرات من نموذج Claude المملوك لها. وتتعاون أنثروبيك وأوبن إيه آي وغوغل منذ ذلك الحين لمحاولة الحد من هذه الممارسات، فيما لم ترد الشركات الصينية على طلبات للتعليق.
ولا تنشر المنصات الأميركية الرائدة المعايير الخاصة بنماذج مثل تشات جي بي تي وكلود وجيميني، بينما أتاحت شركات صينية عدة الأوزان الرقمية المستخدمة في تدريب نماذجها للتنزيل. ويسمح ذلك للجامعات والشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الصغيرة بالبناء على هذه النماذج وتعديلها لتناسب مهام محددة من دون تكلفة إضافية.
وساهم هذا النهج في تسريع انتشار النماذج الصينية؛ إذ طور المطورون نسخاً من R1 مخصصة للقطاع المالي والطب واللغة الصينية بعد إتاحة أوزانه. وتجاوزت عائلة Qwen التابعة لعلي بابا ثلاثة مليارات عملية تنزيل بحلول منتصف آب، فيما قالت الشركة إن نماذجها أفرزت أكثر من 300 ألف نموذج ذكاء اصطناعي مشتق حول العالم.
وتدعم حكومات محلية في الصين نماذج الأوزان المفتوحة، وتشجع إنشاء مجتمعات للذكاء الاصطناعي تستضيف آلاف النماذج ومجموعات البيانات كأصول جماعية قابلة للمشاركة. وترى بكين في هذا النهج وسيلة لتوسيع استخدام التقنية في الاقتصاد وتعزيز نفوذها التكنولوجي خارجياً.
ويستهلك تدريب وتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي كميات ضخمة من الكهرباء، ما يضغط على شبكات الطاقة في عدد من الدول. لكن الصين تضيف قدرات توليد الكهرباء بوتيرة أسرع، فيما أدى توفر الكهرباء المتجددة والرخيصة في مناطق مثل منغوليا الداخلية إلى بناء مئات مراكز البيانات المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
كما تدعم الحكومة الصينية بعض شركات الذكاء الاصطناعي عبر خفض فواتير الكهرباء، وتتكفل بنصف تكاليف الكهرباء في بعض أكبر مراكز البيانات، شرط استخدام رقائق صينية فقط.
ويتجاوز النهج الصيني تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي إلى دمجها في قطاعات التصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية، بهدف رفع الإنتاجية الوطنية. وركبت الصين أكثر من نصف الروبوتات الصناعية الجديدة في العالم خلال السنوات الأخيرة، فيما تستخدم شركات مثل بي واي دي الذكاء الاصطناعي في خطوط إنتاج السيارات الكهربائية لتقليص أوقات التصنيع وتقليل هدر المواد.
كما نشرت فوكسكون، شريكة آبل في تجميع أجهزة آيفون في الصين، أنظمة رؤية حاسوبية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد العيوب وتحسين استهلاك الطاقة في خطوط الإنتاج، بينما تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي لدى علي بابا معظم مهام خدمة العملاء الروتينية.
وتشجع الحكومة أيضاً استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التصنيع والخدمات اللوجستية والخدمات، في محاولة لتعويض النقص المتزايد في اليد العاملة نتيجة تقلص عدد السكان في سن العمل، مع توخي الحذر من تداعيات الأتمتة على الوظائف والاستقرار الاجتماعي.
وتعمل بكين بالتوازي على بناء منظومة وطنية لدعم شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة بالمواهب العلمية ورأس المال والفرص التجارية. وأطلقت في 2017 خطة لتطوير الذكاء الاصطناعي للجيل الجديد، فيما يهدف برنامج الذكاء الاصطناعي+ الذي أطلق عام 2025 إلى دمج التقنية في الاقتصاد والمجتمع.
كما تحشد الصين أسواق الأسهم والسندات، البالغة قيمتها 28 تريليون دولار، لتقليص الفارق مع الولايات المتحدة في الوصول إلى رأس المال، من خلال تسريع إدراج شركات التكنولوجيا وتشجيع إصدار السندات وتوجيه التمويل طويل الأجل نحو الشركات ذات الأهمية الاستراتيجية.
وتنظر بكين إلى نماذج الأوزان المفتوحة باعتبارها أصلاً وطنياً يمكن تصديره إلى دول أخرى وتعزيز اعتمادها على التكنولوجيا الصينية. وتتنافس المنصات الصينية والأميركية خصوصاً في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تسعى شركات مثل علي بابا وهواوي وتينسنت إلى تقديم منصات سحابية منخفضة الكلفة وحلول ذكاء اصطناعي متكاملة.
وأظهرت هذه الاستراتيجية توسعاً سريعاً، إذ بلغت حصة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الصينية نحو 15% من السوق العالمية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ارتفاعاً من نحو 1% قبل عام، وفق منصة OpenRouter.
ولا يزال وصول شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى الأسواق الأميركية والأوروبية محدوداً بسبب مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات والأمن القومي. لكن شركات أميركية مثل مايكروسوفت وأمازون تتيح بعض النماذج الصينية لعملائها، مستفيدة من انخفاض كلفتها ومرونتها.
وتواجه الشركات الصينية والأميركية في الوقت نفسه ضغوطاً مالية كبيرة بسبب كلفة البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. ورفعت ديب سيك، اعتباراً من 16 آب، أسعار نماذجها الرائدة V4، لتصبح أسعار ساعات الذروة الجديدة أعلى بأكثر من أربعة أضعاف المستويات السابقة، فيما تستعد الشركة لجمع تمويل جديد وتحضير طرح عام أولي محتمل هذا العام.
وتتمثل المخاوف الرئيسية لدى مستثمري الذكاء الاصطناعي الأميركيين في أن انخفاض كلفة النماذج الصينية وتحسن أدائها قد يصعّبان على الشركات الأميركية تبرير أسعارها المرتفعة، خصوصاً إذا اختار مستخدمون في الأسواق الغربية البدائل الصينية رغم المخاوف المتعلقة بأمن البيانات، بحسب بلومبيرغ.



