كفيف يمني يحوّل إعاقته إلى مهنة

يواجه ذوو الإعاقة في اليمن ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة في ظل الحرب المستمرة وتصاعد الصراعات الإقليمية، لكن بعض المكفوفين تمكنوا من تحويل مهاراتهم إلى مصادر للدخل، بل وأسهموا في مساعدة آخرين من ذوي الإعاقة على مواجهة تحديات الحياة والعمل.
ومن بين هؤلاء لطفي عبد الرحمن، وهو فني كفيف يبلغ من العمر 52 عاماً ويعيش في مديرية المنصورة بمحافظة عدن جنوب اليمن، حيث يعمل منذ سنوات في إصلاح الغسالات والأجهزة المنزلية.
ويعتمد عبد الرحمن على حاستي اللمس والسمع لتحديد الأعطال، حتى أنه حوّل جزءاً من منزله إلى ورشة صغيرة يعمل فيها لتوفير مصدر دخل له ولشقيقيه المكفوفين أيضاً.
وقال عبد الرحمن لرويترز إنه تعلم مهارات الإصلاح من والده الذي توفي في وقت مبكر، وبدأ بتعلم السباكة وإصلاح الغسالات الكهربائية ومضخات المياه، قبل أن ينتقل للعمل في ورشة يملكها شخص آخر، حيث اكتسب خبرة وشهرة في هذا المجال.
وفقد عبد الرحمن بصره بسبب ضمور في شبكية العين، كما فقدت شقيقته الكبرى نجوى، البالغة 54 عاماً، بصرها للسبب نفسه، بينما توقف شقيقه محمد، البالغ 53 عاماً، عن العمل بعد إصابته بجلطة دماغية أقعدته عن الحركة. ويقول عبد الرحمن إن أفراد الأسرة فقدوا بصرهم في سن مبكرة نتيجة عوامل وراثية.
وسبق أن تقدم عبد الرحمن للحصول على وظيفة حكومية توفر له دخلاً ثابتاً، لكن طلبه رُفض بسبب إعاقته. ومع ذلك، يقول إنه راضٍ عن عمله، مشيراً إلى أن زبائن من مناطق بعيدة باتوا يعرفونه ويقصدون ورشته، فيما يذهب أحياناً إلى منازل العملاء لإصلاح الأجهزة المعطلة.
تعاضد المكفوفين
تشير تقديرات وبيانات حكومية وأخرى صادرة عن منظمات تابعة للأمم المتحدة إلى أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في اليمن يتراوح بين 4.5 مليون وخمسة ملايين شخص، أي ما بين 15 و16.6 بالمئة من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 40 مليوناً، وتشمل هذه الفئة أشخاصاً يعانون إعاقات خلقية وآخرين أصيبوا بها نتيجة الحرب.
وبحسب أحدث التقارير والمؤشرات الدولية لعام 2026، يقدر عدد المكفوفين وفاقدي البصر كلياً في اليمن بنحو 125237 شخصاً، فيما يستفيد نحو عشرة آلاف فقط من خدمات مراكز تعليم وتأهيل المكفوفين، وفق تصريح سابق لرئيسة جمعية الأمان لرعاية الكفيفات في صنعاء.
وفي المقابل، تشير تقديرات محلية وجمعيات معنية بالمكفوفين إلى أن العدد قد يصل إلى نحو نصف مليون، بينما يتجاوز عدد الأشخاص الذين يعانون ضعفاً حاداً في البصر مليون شخص.
ورغم صعوبة الأوضاع وتباين الإحصاءات، تمكن بعض المكفوفين من إعالة أنفسهم وأسرهم، إلى جانب تقديم الدعم لآخرين يبحثون عن فرص أفضل.
وتروي الأخصائية النفسية عبير علي منصر محسن، البالغة 35 عاماً، أنها فقدت بصرها بشكل مفاجئ أثناء عملها، قبل أن تساعدها جلسات التأهيل على تجاوز الصدمة والعودة إلى العمل في منصب إداري.
وفي عام 2024 أسست محسن جمعية الوفاء لرعاية وتأهيل الكفيفات، رغم الصعوبات التي واجهتها في البداية، وارتفع عدد المستفيدات من خدمات الجمعية من 60 إلى 130 كفيفة.
وقالت محسن لرويترز إن الجمعية تساعد النساء الكفيفات على تجاوز العقبات، مشيرة إلى أن بعض المنتسبات إليها حصلن على درجات علمية مرموقة. لكنها لفتت إلى ضعف الموارد وغياب الضمانات اللازمة لاستمرار العمل، موضحة أن الجمعية لديها مقر ثابت لكنها لا تملك ميزانية تشغيلية أو عقود عمل رسمية.
أما محمد خالد العماري، البالغ 39 عاماً، فهو كفيف يعمل في ثلاث جهات، بينها صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في عدن وجمعية للمكفوفين ومصلحة الهجرة والجوازات والجنسية الحكومية.
وفي عام 2023 أسس العماري منصة عدن الإعلامية لذوي الإعاقة، بعد ملاحظته تراجع التغطية الإعلامية لقضايا المعاقين اليمنيين منذ عام 2015.
ويدير العماري المنصة ويكتب موادها باستخدام برامج صوتية على هاتفه المحمول، مستعيناً بأصابعه وأذنيه دون الحاجة إلى مساعدة بصرية.
وقال العماري لرويترز إن المنصة تمكنت من إيصال صوت الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الجهات الحكومية، لكنه انتقد ضعف تمثيلهم الرسمي، مشيراً إلى أن مؤتمرات الإعاقة تُعقد وتنفق عليها أموال، بينما لا يشارك فيها الأشخاص المعنيون أنفسهم.
حق في الوظائف
وفي ظل المطالبات بمزيد من الدعم الحكومي، قال وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مختار اليافعي لرويترز إن صندوق رعاية وتأهيل المعاقين التابع للوزارة يقدم موازنات تشغيلية لنحو 57 جمعية ومؤسسة في عدد من محافظات جنوب وشرق البلاد، بينها جهات تُعنى بالمكفوفين.
وأضاف اليافعي أن الوزارة تدرك أوجه القصور في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، وتعمل على تحديث اللوائح وقواعد البيانات وتعزيز الرقابة، مشيراً إلى أن تطبيق النسبة القانونية لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة من شأنه تحويل الالتزامات القانونية والدولية إلى إجراءات عملية.
وأصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في مارس/آذار تعميماً يلزم الجهات الحكومية وشركات القطاعين العام والخاص بتفعيل نسبة توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة البالغة خمسة بالمئة من إجمالي الوظائف الشاغرة في القطاعين العام والمختلط للحاصلين على شهادات التأهيل.
ويُعد الإجراء من أبرز الخطوات الحكومية التنفيذية خلال السنوات الأخيرة بهدف تعزيز دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل.
وأكد اليافعي أن قضايا ذوي الإعاقة، بمن فيهم المكفوفون، تحظى باهتمام ضمن برامج وخطط الوزارة، مشيراً إلى أن قصص النجاح التي حققتها بعض جمعيات المكفوفين في اليمن تستحق الدراسة والاستفادة منها.




