سوريا تستعيد الاكتفاء الذاتي من القمح بعد سنوات من تراجع الإنتاج

استعادت سوريا خلال موسم 2026 الاكتفاء الذاتي من القمح للمرة الأولى منذ سنوات، بعدما تجاوزت الكميات المستلمة من الإنتاج المحلي الاحتياجات السنوية للبلاد، في تحول لافت بعد سنوات من تراجع المحاصيل والاعتماد على الاستيراد، وفق وكالة الأنباء القطرية "قنا".
وقال مدير عام المؤسسة السورية للحبوب، حسن العثمان، في تصريح خاص لـ"قنا"، إن المؤسسة استلمت حتى الآن نحو 2.72 مليون طن من القمح، فيما لا تزال عمليات الاستلام مستمرة بكميات محدودة مع اقتراب الموسم من نهايته.
وأوضح أن المؤسسة العامة لإكثار البذار التابعة لوزارة الزراعة تستلم أيضاً كميات مخصصة لبذار الموسم الزراعي المقبل، ما يعني أن إجمالي الإنتاج الفعلي يتجاوز الكميات التي دخلت مستودعات المؤسسة السورية للحبوب.
الإنتاج يتجاوز احتياجات البلاد
وتبلغ حاجة سوريا السنوية من القمح نحو 2.55 مليون طن، ما يعني أن الكميات المستلمة هذا الموسم تجاوزت الاحتياجات بنحو 170 ألف طن، الأمر الذي أتاح تحقيق الاكتفاء الذاتي والبدء بتكوين مخزون استراتيجي.
وسجل موسم 2026 تحسناً حاداً مقارنة بالعامين السابقين، إذ بلغت الكميات المستلمة نحو 700 ألف طن في 2024، قبل أن تنخفض إلى نحو 375 ألف طن في 2025.
وأرجع العثمان ضعف الإنتاج خلال السنوات الماضية إلى المناخ الجاف والسياسات التي انتهجتها الحكومة السابقة، إضافة إلى خروج منطقة الجزيرة السورية عن سيطرة المركز.
وأشار إلى إمكانية انتقال سوريا مستقبلاً من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى تحقيق فائض في إنتاج القمح، لافتاً إلى أن البلاد كانت تنتج قبل 2010 ما بين 3.5 و4 ملايين طن خلال المواسم الجيدة، بما كان يسمح لها بتلبية احتياجاتها المحلية وتصدير بعض أنواع القمح إلى الأسواق الأوروبية.
وربط استعادة تلك المستويات الإنتاجية بعودة الاستقرار وتحسن الظروف المناخية، متوقعاً ارتفاع الإنتاج تدريجياً خلال السنوات المقبلة وتعزيز المخزون الاستراتيجي، بالتزامن مع إعادة تأهيل مرافق المؤسسة ومنشآتها لزيادة القدرة التخزينية.
تسهيلات لتشجيع المزارعين
واتخذت المؤسسة السورية للحبوب مجموعة من الإجراءات لتسهيل تسليم المحاصيل وتشجيع المزارعين، من بينها تجهيز 84 مركزاً للاستلام بالأجهزة الفنية واللوجستية وتشكيل فرق متخصصة للشراء والتسويق الميداني.
كما أطلقت منصة رقمية لحجز الدور مسبقاً، واعتمدت آلية مرنة لتبسيط إجراءات الدخول والوزن وأخذ العينات وتحليلها وتفريغ الشاحنات، إلى جانب تقديم مكافآت تشجيعية للمزارعين وإعفائهم من رسوم التحاليل.
وسمحت المؤسسة للمزارعين بتسليم محاصيلهم في محافظتي دمشق وحمص مع تحمل أجور النقل، بهدف تخفيف الضغط عن مراكز التخزين في المناطق ذات الإنتاج المرتفع وتحفيز استمرار زراعة القمح.
الصادرات الزراعية تسجل نمواً
وفي سياق متصل، قال المدير العام لهيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات في وزارة الاقتصاد السورية، خالد الخضر، إن الصادرات الزراعية والغذائية سجلت نمواً تدريجياً خلال 2026 مقارنة بـ2025، مدفوعة بفتح منافذ تصديرية جديدة وتسهيل حركة الشحن البري والبحري.
وأوضح الخضر، في تصريح لـ"قنا"، أن أبرز الصادرات شملت الحمضيات والتفاح والعنب والزيتون وزيت الزيتون، إلى جانب الكمون واليانسون والنباتات الطبية والعطرية التي تتمتع بطلب مرتفع في الأسواق العالمية.
وأشار إلى امتلاك سوريا مقومات لتحقيق فائض قابل للتصدير خلال السنوات المقبلة، لا سيما في زيت الزيتون ومشتقاته والفواكه والحمضيات والنباتات الطبية والعطرية والتوابل، إضافة إلى الصناعات الغذائية التحويلية المعتمدة على المنتجات الزراعية المحلية.
زيادة الإنتاج تدعم استقرار الأسعار
وأسهم ارتفاع الإنتاج المحلي في زيادة المعروض واستقرار أسعار عدد من المنتجات الزراعية والغذائية، فيما تراجعت أسعار بعض الخضراوات والفواكه موسمياً، ومن بينها البندورة والبطاطا والحمضيات.
وتعتمد وزارة الاقتصاد، بالتنسيق مع الجهات المعنية، إجراءات لتحقيق التوازن بين حماية المنتج وتأمين احتياجات المستهلك، تشمل منع استيراد بعض السلع الزراعية خلال مواسم إنتاجها محلياً ووقف تصدير أي مادة عند حدوث نقص في السوق.
وتشمل الإجراءات أيضاً فرض رسوم حماية على المنتجات المستوردة التي يتوافر لها بديل محلي مطابق للمواصفات، إلى جانب الرقابة على الأسواق للحد من الاحتكار وضمان توافر السلع الأساسية بأسعار مناسبة.
وبحسب "قنا"، تتجه الاستراتيجية الحكومية إلى رفع القيمة المضافة للقطاع الزراعي عبر تشجيع التصنيع الزراعي والاستثمار في الصناعات الغذائية ومعاصر الزيتون الحديثة، إلى جانب تطوير مرافق التخزين وسلاسل التبريد للحد من فاقد ما بعد الحصاد.
كما تشمل الخطط دعم المنتجين للحصول على شهادات الجودة والمواصفات القياسية العالمية، بما يسهل دخول المنتجات السورية إلى الأسواق الخارجية ويعزز قدرتها على زيادة الإنتاج والصادرات.



