Contact Us
Ektisadi.com
صحة وغذاء

الحرب لا تنتهي عند آخر غارة

لور ضاهر ـ بيروت
31 أغسطس 2026 | 10:29 م
حروب تترك أثرًا لا ينتهي ai

انتهت حرب تموز / يوليو 2006، التي استمرت 33 يومًا، لكن آثارها البيئية لم تنتهِ بانتهاء القصف. فالقصف والانفجارات والحرائق خلّفت ركامًا وملوثات يمكن أن تصل إلى الهواء والتربة والمياه، فيما يمكن لبعض الملوثات أن تنتقل إلى النباتات والحيوانات ثم إلى الإنسان عبر الغذاء.

وبحسب تقييم أجرته الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) بعد حرب 2006، شمل الضرر البيئي التربة والمياه والهواء والبيئة البحرية والنظم البيئية، ودرس خبراء المنظمة التلوث الصناعي والنفايات الخطرة والآثار المحتملة للذخائر. ولا تظهر كل آثار التعرض البيئي فورًا؛ فبحسب المعهد الوطني الأميركي للسرطان، قد يستغرق ظهور بعض السرطانات الناتجة عن التعرض لعوامل مسرطنة عقودًا.

وبعد نحو 15 إلى 20 عامًا من حرب 2006، ومع تجدد التعرضات العسكرية منذ 2023، يطرح التقرير سؤالًا أساسيًا: ماذا يمكن أن تترك الحروب المتكررة في أجساد اللبنانيين وبيئتهم، إذا كانت بعض آثار التعرض لا تظهر إلا بعد سنوات؟

ما تركته حرب 2006 في البيئة

لم تقتصر آثار حرب تموز 2006 على المباني والطرق، بل امتدت إلى الساحل والأراضي الزراعية ومصادر المياه. وبحسب UNEP، زار خبراء دوليون أكثر من 40 موقعًا في لبنان، وجمعوا عينات من التربة والمياه والرماد والغبار والرواسب، لفحص التلوث الصناعي والبحري ومخاطر المواد الخطرة والذخائر.

وكان قصف محطة الجية لتوليد الكهرباء من أبرز الكوارث البيئية في حرب 2006. فبحسب تقييم الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، أدى القصف إلى تسرب نحو 10 إلى 15 ألف طن من زيت الوقود الثقيل إلى البحر المتوسط، وانتقل جزء من النفط شمالًا مع التيارات، فيما غرق جزء آخر قرب الجية وغطّى قاع البحر في منطقة امتدت لبضع مئات من الأمتار، ما أدى إلى خنق الكائنات الحية الموجودة في الرواسب. وأجرت UNEP مسحًا للبيئة البحرية بين 8 و18 تشرين الأول/ أكتوبر 2006، شمل مياه البحر والرواسب وكائنات بحرية مثل الأسماك والرخويات، بهدف قياس بقايا الهيدروكربونات بعد ثلاثة أشهر من التسرب. وأظهرت التحاليل أن تراكيز الهيدروكربونات النفطية والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs) في الرواسب البحرية والمحار والأسماك كانت، في تشرين الأول 2006، مشابهة للمستويات المسجلة في مناطق أخرى من شرق المتوسط المتأثرة بالنشاط البشري. كما كُشفت آثار من النفط المذاب أو المشتت في مياه البحر في المناطق المتضررة. وبحسب وزارة البيئة اللبنانية، تأثر أكثر من 70 موقعًا على امتداد نحو 150 كيلومترًا من الساحل اللبناني بالتسرب النفطي، فيما أظهر مسح لاحق تحت الماء وجود زيت وقود ثقيل غارق في موقعين هما شاطئ رملي في الجية وشاطئ رملي في جبيل. وبحسب تقرير للأمم المتحدة، كان التأثير الأوضح في قاع البحر والمناطق الساحلية التي تعرضت مباشرة للنفط، حيث يُرجح حدوث نفوق كبير بين بعض الكائنات الساحلية بسبب السمية أو الاختناق، مع تقدير أن تعافي بعض هذه الموائل قد يستغرق سنوات.

أما على اليابسة، فكانت الذخائر ومخلفاتها مشكلة طويلة الأمد. وبحسب UNEP، بقيت أعداد كبيرة من الذخائر غير المنفجرة، بينها قنابل عنقودية في جنوب لبنان ومناطق زراعية، ما أعاق استخدام الأراضي والنشاط الزراعي بعد انتهاء الحرب. كما بحث التقييم الأممي في احتمال تلوث التربة ومصادر المياه نتيجة قصف منشآت صناعية.

وتبرز كذلك مسألة الفوسفور الأبيض والمواد الناتجة عن بعض الذخائر والحرائق. وبحسب UNEP، يمكن للنزاعات أن تترك معادن ومواد كيميائية في البيئة، فيما قد تصل بعض الملوثات إلى التربة والمياه، وقد تنتقل بعض الملوثات من البيئة إلى السلسلة الغذائية. لذلك، لا ينتهي الأثر البيئي بالضرورة عند لحظة الانفجار، بل قد يستمر في الأرض والمياه والغذاء.

عندما تنتقل آثار الحرب إلى جسم الإنسان

لا تبقى الملوثات في البيئة بمعزل عن الإنسان. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يمكن أن يتعرض الإنسان للمواد الكيميائية عبر الهواء والمياه والغذاء والتربة، وتختلف المخاطر بحسب نوع المادة وجرعة التعرض ومدته وطريقة دخوله إلى الجسم. كما تشير المنظمة إلى أن بعض الملوثات يمكن أن تتراكم في البيئة والسلسلة الغذائية.

وتزداد أهمية عامل الزمن عندما يكون التعرض طويلًا أو متكررًا. فبحسب المعهد الوطني الأميركي للسرطان، قد يستغرق الانتقال من التعرض الأول لعامل مسبب للسرطان إلى ظهور المرض عقودًا، ما يعني أن غياب الأعراض المباشرة لا يكفي وحده لنفي آثار التعرض على المدى البعيد.

ماذا تغيّر في صحة اللبنانيين؟

بعد نحو 15 إلى 20 عامًا من حرب 2006، تظهر في البيانات الصحية اللبنانية مؤشرات تستحق المتابعة. يبرز السرطان كأحد المؤشرات التي يمكن تتبعها زمنيًا. فبحسب دراسة اعتمدت على بيانات السجل الوطني للسرطان ونُشرت في مجلة BMC Cancer، ارتفعت معدلات الإصابة الإجمالية بالسرطان في لبنان بين عامي 2003 و2008 بمتوسط سنوي بلغ 4.5% لدى الرجال و5.4% لدى النساء، مع زيادات في أنواع محددة من السرطان.

وتتيح وزارة الصحة اللبنانية اليوم بيانات السجل الوطني للسرطان من 2005 إلى 2024، ما يوفر قاعدة لمقارنة الاتجاهات الصحية على مدى يقارب عقدين. ووفقًا لدراسة عالمية نُشرت في مجلة The Lancet ونقلتها NPR في تشرين الأول 2025، ارتفع عدد حالات السرطان الجديدة في لبنان بنسبة 162% بين 1990 و2023، فيما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالسرطان بنسبة 80%، وبلغ معدل الحالات الجديدة 233.5 حالة لكل 100 ألف شخص في 2023. وصنّفت الدراسة لبنان بين الدول الأسرع ارتفاعًا عالميًا في معدلات الإصابة والوفيات بالسرطان.

ولا يقتصر المشهد على السرطان. فقد وجدت دراسة لبنانية نُشرت عام 2020 أن مقاومة الإنسولين بلغت 38% لدى العينة التي شملتها، فيما أشارت إلى دراسة لبنانية سابقة قدرت النسبة بـ44.6% في عينة وطنية.كما تناولت دراسات لبنانية متلازمة تكيس المبايض التي وصلت في السنوات الاخيرة إلى إمراة من كل ثلاث واضطرابات الهرمونات والخصوبة، فيما بحثت دراسات أخرى في اضطرابات النمو والتشوهات الخلقية.

وفي الجانب العصبي والنمائي، أظهرت دراسة وطنية لبنانية نُشرت عام 2020 وشملت 818 طفلًا من مختلف المناطق، أن تقدير انتشار اضطراب طيف التوحد تراوح بين 49 و513 حالة لكل 10 آلاف طفل، وهو نطاق اعتبره الباحثون مرتفعًا مقارنةً بتقديرات أخرى في المنطقة العربية. وفي دراسة لبنانية نُشرت عام 2022، قارن الباحثون بين 66 طفلًا مصابًا باضطراب طيف التوحد و66 طفلًا من مجموعة مقارنة، بهدف دراسة عوامل سابقة للولادة وأثناءها وبعدها قد ترتبط باضطراب التوحد. وبحسب الدراسة، استند الباحثون إلى تقديرات سابقة أشارت إلى أن انتشار اضطراب طيف التوحد في لبنان، والمقدّر بنحو طفل واحد من كل 66 طفلًا، أعلى من التقدير الذي كانت تشير إليه منظمة الصحة العالمية. ولقد وجد الباحثون ارتباطًا بين التوحد وبعض العوامل، من بينها السكن بالقرب من المناطق الصناعية. فكيف لو كان بالقرب من المناطق التي تعرضت اللقصف و الدمار؟

من 2023 إلى 2026: تعرض أطول وأوسع

بعد نحو 17 عامًا من حرب 2006، دخل لبنان في جولة جديدة من القتال بدأت في تشرين الأول 2023، وتصاعدت بشكل كبير خلال 2024، قبل أن يتجدد التصعيد العسكري الواسع في 1 آذار/ مارس 2026. وبذلك، لم يعد التعرض العسكري مرتبطًا بحرب قصيرة استمرت أسابيع، بل بتعرضات متكررة امتدت على سنوات وطالت مناطق جغرافية واسعة.

كما ظهرت أدلة على تعرض بيئي جديد. فبحسب تقرير للأمم المتحدة، رصدت وزارة البيئة اللبنانية مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة والمركبات السامة في تربة المناطق المتضررة، ووصلت مستويات الفوسفور في بعض المواقع إلى 900 ضعف المعدل الطبيعي. وقدّر التقرير أنه حتى 12 أيلول/ سبتمبر 2024 وقعت 290 ضربة بالفوسفور في مناطق عدة من الجنوب والنبطية.

ولم تعد آثار الحرب تقتصر على ما يترسب في الهواء أو التربة والمياه؛ فبعض أساليب الهجوم خلال الحرب أدت إلى إصابات مباشرة وعميقة في أجساد المدنيين، مع جروح نافذة وشظايا وإصابات طالت أعضاء وأنسجة داخلية. وتوثق منظمة العفو الدولية أن انفجارات أجهزة الاتصال في أيلول2024 تسببت بإصابات في اليدين والوجه والبطن والعينين، إضافة إلى إصابات أخرى عميقة. ويُظهر ذلك أن التعرض في الحروب الحديثة قد يصل إلى الإنسان بطرق متعددة، وليس فقط عبر البيئة المحيطة به.

ماذا قد يبقى بعد انتهاء الحرب؟

إذا كانت بعض آثار التعرض لا تظهر مباشرة، فإن انتهاء القصف لا يعني بالضرورة انتهاء فترة الخطر. فالمواد التي تستقر في التربة والمياه، والتعرض المتكرر للملوثات، تحتاج إلى مراقبة طويلة الأمد حتى يمكن معرفة ما إذا كانت ستترك آثارًا صحية أو بيئية.

لكن لبنان يدخل هذه المرحلة مع تحدٍ أساسي: الحاجة إلى بيانات تسمح بمقارنة الوضع الصحي والبيئي قبل التعرضات وخلالها وبعدها. ومن دون مراقبة مستمرة للتربة والمياه والغذاء، إلى جانب سجلات صحية دقيقة ودراسات وبائية، سيكون من الصعب معرفة ما إذا كانت التغيرات التي تظهر مستقبلًا مرتبطة بالتعرضات الحربية أو بعوامل أخرى.

بعد حرب 2006، مرّ نحو عقدين على تعرض بيئي واسع. واليوم، بعد تجدد الحروب منذ 2023 وتصاعدها في 2024 و2026، تبدأ مرحلة جديدة من التعرض في بيئة سبق أن عرفت الحرب. لذلك، قد لا يكون السؤال فقط: ماذا تركت الحرب في لبنان حتى اليوم؟ بل ماذا ستكشف أجساد اللبنانيين وبيئتهم بعد 10 أو 15 أو 20 عامًا من الآن؟