بريطانيا: موجات الحر تضع المستشفيات أمام ظروف "خطيرة" وتهدد سلامة المرضى

تواجه المستشفيات البريطانية ضغوطاً متزايدة بسبب موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، وسط تحذيرات من أن البنية التحتية الصحية غير مهيأة للتعامل مع التغيرات المناخية، ما يهدد سلامة المرضى والعاملين، وفق "بلومبيرغ".
ووصف عاملون في القطاع الطبي الظروف داخل بعض المستشفيات بأنها "مروعة" و"لا تطاق" و"غير آمنة"، مشيرين إلى صعوبات تشمل عدم ثبات القساطر الوريدية بسبب تعرق المرضى، واحتمال تأثر الأدوية بدرجات الحرارة المرتفعة، إضافة إلى تعرض بعض الموظفين للإغماء والإجهاد الحراري.
وأظهرت الأشهر الماضية حجم التحدي الذي يواجه النظام الصحي البريطاني، إذ صُممت مستشفيات ودور رعاية كثيرة على أساس مناخ أكثر برودة واستقراراً، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يكون ارتفاع درجات الحرارة أسرع من قدرة البلاد على التكيف.
90% من مباني المستشفيات معرضة لارتفاع الحرارة
وقال نيك واتس، الرئيس السابق للاستدامة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنكلترا "NHS"، إن المستشفيات ودور الرعاية بُنيت على افتراض أن المناخ سيظل مستقراً، وهو افتراض لم يعد صالحاً في ظل التغيرات الحالية.
وبحسب تحالف الصحة البريطاني بشأن تغير المناخ، فإن نحو 90% من مباني المستشفيات في إنكلترا معرضة لخطر ارتفاع درجات الحرارة داخلها، بينما تتطلب عمليات تحديث هذه المنشآت استثمارات مالية كبيرة.
وأشار واتس إلى أن ميزانية "NHS" ومخصصاتها الرأسمالية لم تُصمم أساساً لتغطية تكاليف التكيف بهذا الحجم.
ولا تقتصر تداعيات موجات الحر على القطاع الصحي، إذ تواجه قطاعات أخرى في بريطانيا اضطرابات مرتبطة بالحرارة، تشمل وسائل النقل والمدارس وأماكن العمل.
وفي الشهر الماضي، تلقى جهاز الإطفاء في لندن رقماً قياسياً بلغ 27 ألفاً و580 مكالمة طوارئ، فيما تعاملت خدمة الإسعاف في العاصمة مع أكثر من 53 ألف مكالمة خلال إحدى موجات الحر في حزيران / يونيو، متجاوزةً عدد المكالمات المسجل خلال ذروة جائحة "كوفيد-19" في آذار / مارس 2020.
مخاوف متزايدة على سلامة المرضى
وأظهر استطلاع أجرته جمعية الأطباء في المملكة المتحدة خلال موجة الحر في حزيران / يونيو أن 83% من موظفي "NHS" وصفوا أماكن عملهم بأنها "شديدة الحرارة" أو "خطيرة بسبب الحرارة"، بينما قال أكثر من ثلثي المشاركين إن ارتفاع درجات الحرارة أثر في سلامة المرضى.
ووصفت الكلية الملكية للتمريض الظروف بأنها "غير إنسانية"، مشيرةً إلى حالات تعرض فيها موظفون لانهيار جسدي نتيجة الحرارة.
وفي إحدى الحالات، انهارت ممرضة بسبب الجفاف أثناء عملها في جناح يفتقر إلى التهوية واضطرت إلى تلقي علاج طارئ في المستشفى نفسه، فيما أفاد عامل آخر بأن إدارة أحد المستشفيات منعت استخدام المراوح وأجهزة التكييف المحمولة بسبب مشكلات في شبكة الكهرباء.
وقالت وزيرة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية إيفيت كوبر إن هيئة الخدمات الصحية الوطنية بحاجة إلى التخطيط لضغوط فصل الصيف بالطريقة نفسها التي تستعد بها حالياً لضغوط الشتاء.
وأضافت أن ذلك يتطلب جعل المباني أكثر قدرة على تحمل ظروف الحرارة الشديدة الجديدة، إلى جانب الاستعداد للزيادة المحتملة في احتياجات المرضى.
مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية
ويواجه النظام الصحي البريطاني بالفعل ضغوطاً كبيرة بسبب تقادم المنشآت والبنية التحتية بعد عقود من نقص الاستثمار.
وفي إنكلترا، تحتاج هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى نحو 15.9 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 21.5 مليار دولار أميركي، لتنفيذ إصلاحات متأخرة وإعادة المباني إلى الحد الأدنى المقبول من المعايير، وفق إفصاحات الهيئة.
كما تواجه ويلز واسكتلندا أعمال صيانة متراكمة تبلغ قيمتها نحو مليار جنيه إسترليني لكل منهما، ما يعادل نحو 1.35 مليار دولار أميركي لكل منهما.
وكشفت مراجعة مستقلة أجريت عام 2024 عن فجوة بقيمة 37 مليار جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 50 مليار دولار أميركي، في الاستثمارات الرأسمالية للقطاع الصحي في إنكلترا مقارنةً بالإنفاق في دول مماثلة خلال العقد الماضي.
وأدى هذا النقص إلى اضطرابات في تقديم الخدمات داخل مبانٍ متداعية، فيما يعود تاريخ نحو 20% من منشآت القطاع الصحي إلى ما قبل تأسيس هيئة الخدمات الصحية الوطنية عام 1948.
الحرارة تعرقل العمليات الطبية
وقالت فيونا برينان، استشارية التخدير في كارديف بجنوب ويلز، إن الظروف التي واجهتها خلال موجة الحر في حزيران / يونيو كانت "أسوأ بكثير" من تلك التي عاشتها خلال جائحة "كوفيد-19" عام 2020.
وأوضحت أنها كانت ضمن فريق يجري عمليات بالأشعة لمرضى يعانون من السرطان والسكتات الدماغية وحالات أخرى قد تهدد الحياة.
وعادةً ما تُجرى هذه العمليات في غرف تقل فيها نسبة الرطوبة عن 60% وتبلغ درجة الحرارة نحو 20 درجة مئوية للحد من مخاطر العدوى، إلا أن الحرارة وصلت خلال الأسبوع الأكثر سخونة من حزيران / يونيو إلى نحو 27 درجة مئوية مع ارتفاع كبير في الرطوبة.
وقالت برينان إن الطواقم الطبية كانت تعمل وهي ترتدي ملابس واقية ثقيلة، ما أدى إلى تعرق شديد وشعور بالإعياء.
وأضافت أن التعرق جعل تثبيت بعض القساطر الوريدية لدى المرضى أكثر صعوبة، ما اضطر الطواقم إلى مراقبتها باستمرار للتأكد من عدم خروجها من مكانها، معتبرةً أن ذلك يمثل مشكلة تتعلق بسلامة المرضى.
من جانبها، قالت كلير ويد، مديرة التمريض في مجلس الصحة بجامعة كارديف وفيل، إن المستشفى يدرس تركيب أفلام عازلة على النوافذ في المباني ذات الواجهات الزجاجية الواسعة، إضافة إلى تحسين توفر أجهزة التكييف في المناطق الأكثر تأثراً.
ضغوط "غير مستدامة" على الأطباء
واضطرت بعض المستشفيات إلى تأجيل عمليات وإجراءات طبية أقل إلحاحاً بسبب صعوبة الحفاظ على درجات حرارة آمنة داخل غرف العمليات والمنشآت الصحية.
وقالت الكلية الملكية للأطباء إن الأطباء يواجهون ضغوطاً "شديدة وغير مستدامة" نتيجة الحرارة، مشيرةً إلى حالة تعطلت فيها أجهزة تستخدم لعلاج السرطان وخوادم تكنولوجيا المعلومات في أحد المستشفيات بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
كما أفادت جمعية الأطباء في المملكة المتحدة بأن العاملين يعملون داخل مبانٍ يصعب تظليلها أو تهويتها، مع وجود ستائر معطلة ونوافذ لا تفتح بصورة كافية.
وأشار الاستطلاع أيضاً إلى أن بعض الأطباء لم يتمكنوا من إيقاف أجهزة التدفئة رغم تجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية، بينما قال أقل من 5% من المشاركين إنهم يتمتعون بإمكانية مستمرة للوصول إلى تكييف الهواء، بحسب "بلومبيرغ".




