أسهم سنغافورة تواصل صعودها بدعم من البنوك والنمو الاقتصادي

تواصل الأسهم السنغافورية جذب المستثمرين مع اقتراب مؤشر ستريتس تايمز من تسجيل خامس ربع سنوي متتالٍ من المكاسب، في أطول سلسلة ارتفاع منذ عقد، مدعومًا بأداء قوي للبنوك الكبرى وتحسن آفاق النمو والتضخم، فيما يرى مديرو صناديق أن السوق لا تزال تمتلك مساحة لمزيد من الصعود، وفقًا لبلومبيرغ.
وارتفع المؤشر الرئيسي للأسهم السنغافورية بنسبة 23 في المائة منذ بداية العام إلى سلسلة من المستويات القياسية، بعد مكاسب مماثلة في 2025، مع استفادة الاقتصاد من النمو القوي المدفوع بصادرات التكنولوجيا ومكاسب الإنتاجية التي تساعد على إبقاء التضخم تحت السيطرة، وهو ما عزز أرباح الشركات ودفع جي بي مورغان تشيس إلى وصف البيئة الاقتصادية بأنها غولديلوكس.
وقال مديرو صناديق إن توسع الاقتصاد السنغافوري وقوة العملة المحلية قد يدعمان المزيد من مكاسب الأسهم، بينما أشار آخرون إلى عوامل هيكلية، مثل إدارة الثروات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، باعتبارها محركات إضافية لتدفقات الاستثمار.
وقال إرنست تشيو، رئيس أسهم دول آسيان لدى بي إن بي باريبا لإدارة الأصول في كوالالمبور، إن سنغافورة تتحول تدريجيًا من سوق تقليدية تركز على توزيعات الأرباح والدفاعية إلى سوق تجمع بين توزيعات الأرباح والنمو. وأضاف أن المستثمرين ما زالوا يقدرون خصائص السوق الدفاعية، لكنهم يرون بشكل متزايد فرصًا لتحقيق مكاسب رأسمالية إلى جانب الدخل.
وكانت البنوك الثلاثة الأكبر في سنغافورة، دي بي إس غروب هولدينغز وأوفرسي-تشاينيز بانكينغ كورب ويونايتد أوفرسيز بنك، أبرز محركات صعود مؤشر ستريتس تايمز، إذ سجلت أسهمها سلسلة من المستويات القياسية خلال الأشهر الأخيرة، مع انجذاب المستثمرين خصوصًا إلى انكشافها على قطاع إدارة الثروات المزدهر في البلاد.
وأعلنت البنوك الثلاثة خلال الشهر الماضي نتائج الربع الثاني التي تجاوزت توقعات المحللين، وكانت أوفرسي-تشاينيز بانكينغ كورب الأفضل أداءً، إذ ارتفع سهمها بنسبة 61 في المائة منذ بداية العام، ليصبح الأفضل أداءً بين أسهم المؤشر البالغ عددها 30 سهمًا.
ولا تقتصر جاذبية السوق على البنوك، إذ ساعدت توقعات استمرار أسعار الفائدة العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول على دعم أسهم المؤسسات المالية عالميًا، مع ارتفاع مؤشر إم إس سي آي العالمي للبنوك بنحو 20 في المائة منذ بداية العام إلى مستوى قياسي.
وتعزز جاذبية الأسهم السنغافورية أيضًا التوقعات الإيجابية طويلة الأجل للدولار السنغافوري، الذي ارتفع بنحو 6 في المائة أمام الدولار الأميركي خلال السنوات الثلاث الماضية، مع توجه المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن وسط الاضطرابات الجيوسياسية العالمية.
وتستخدم السلطات النقدية في سنغافورة العملة المحلية أداة رئيسية لإدارة الاقتصاد، وتوجهها نحو الارتفاع أمام سلة من عملات الشركاء التجاريين بهدف احتواء التضخم.
ولا يزال بعض مديري الأصول متفائلين بشأن السوق. وقال سام كونراد، مدير صناديق الأسهم الآسيوية لدى جوبيتر لإدارة الأصول في سنغافورة، إن الشركة تزيد استثماراتها في سنغافورة بشكل كبير منذ سنوات، إذ تمثل البلاد حاليًا أكثر من 16 في المائة من أموالها، مقابل نحو 3 في المائة وفق الوزن المعياري.
وأضاف أن سنغافورة من أكثر الأسواق المتقدمة جاذبية في العالم، لكنها غالبًا ما تحظى بتجاهل المستثمرين أو لا تحصل على التقدير الكافي.
ورفع جي بي مورغان في مذكرة صدرت في 11 آب/أغسطس توقعاته لمؤشر ستريتس تايمز إلى 6500 نقطة، ما يعني ارتفاعًا بنحو 13 في المائة مقارنة بإغلاق الجمعة عند 5743.59 نقطة.
ويرى محللو البنك أن البيئة الاقتصادية غولديلوكس ستواصل دعم نمو ربحية السهم وتوفير مساحة مالية للحكومة، معتبرين أن التقييمات المرتفعة يمكن أن تستمر مع اقتراب إعادة تسعير المؤشر من مستويات الأسواق المتقدمة، مدفوعة بالعوائد المرتفعة واستقرار العملة.
لكن بعض المستثمرين يتبنون موقفًا أكثر حذرًا، إذ قالت فيديليتي إنترناشونال إنها أصبحت أكثر تحفظًا بعد تجاوز أسعار الأسهم نمو الأرباح.
وقال سوي تشوان يو، مدير محافظ لدى فيديليتي في سنغافورة، إن التقييمات بلغت أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية، كما أصبح المؤشر الأغلى بين أسواق آسيان، مشيرًا إلى أن المحركات الاقتصادية الأساسية لا تزال غير مؤكدة في ظل التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.
وأصبحت تقييمات الأسهم أكثر ارتفاعًا بعد موجة الصعود الأخيرة، إذ يتداول مؤشر ستريتس تايمز عند أكثر من 16 مرة من الأرباح المتوقعة للأشهر الـ12 المقبلة، أي أكثر من انحرافين معياريين فوق متوسطه خلال 10 سنوات.
ويثير التركّز المتزايد للبنوك داخل المؤشر مخاوف إضافية، إذ تمثل دي بي إس وأوفرسي-تشاينيز بانكينغ كورب ويونايتد أوفرسيز بنك نحو 60 في المائة من إجمالي القيمة السوقية لمؤشر ستريتس تايمز، مقارنة بـ38 في المائة فقط في تموز/يوليو 2020، ما يجعله أقل تمثيلًا للاقتصاد وأكثر عرضة للتقلبات.
ومع ذلك، ترى إيست سبرينغ إنفستمنتس أن الأسهم السنغافورية لا تزال قادرة على تحقيق مكاسب إضافية رغم ارتفاعها على مدى ثلاث سنوات. وقال برايان يونغ، مدير محافظ لدى الشركة في سنغافورة، إن تقييمات الأسهم ارتفعت بصورة ملحوظة، لكنها لا تزال معقولة مقارنة بالعديد من الأسواق المتقدمة، مشيرًا إلى أن فرص الصعود ستكون أكثر انتقائية بعد الارتفاع القوي، مع استمرار وجود فرص في الشركات التي تتمتع برؤية واضحة للأرباح وتحسن العوائد وإمكانات لتعزيز قيمة المساهمين، وفقًا لبلومبيرغ.




