الصين تعيد رسم سياستها النقدية مع التركيز على فائدة الليلة الواحدة

يتجه بنك الشعب الصيني تدريجيًا نحو مرحلة أكثر دقة في إدارة السيولة وأسعار الفائدة، مع انتقاله من التركيز على عمليات إعادة الشراء العكسية لأجل 7 أيام إلى سعر الفائدة لليلة واحدة، في تحول يعكس توجهًا أوسع لجعل السياسة النقدية أكثر اعتمادًا على الأسعار وأقل ارتباطًا بالأدوات الكمية التقليدية.
وأعلن بنك الشعب الصيني أنه سيجري عمليات إعادة شراء عكسية لليلة واحدة بقيمة تصل إلى 600 مليار يوان، أي نحو 89 مليار دولار، يوميًا في 14 و17 و18 و19 آب/أغسطس، بهدف ضبط مستويات السيولة ومنع التقلبات الحادة في أسعار سوق النقد، خصوصًا مع اقتراب فترة سداد الضرائب.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه سوق السندات الصينية وفرة كبيرة في السيولة، مدفوعة بارتفاع مدخرات الأسر وتراجع توقعات النمو. ولم يستخدم المتعاملون آلية إعادة الشراء العكسية المعتادة لأجل 7 أيام خلال الأيام الثلاثة الماضية، بينما اقتربت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات و30 عامًا من أدنى مستوياتها في شهرين وتسعة أشهر على التوالي.
ويرى تشانغ ليانغ، المحلل لدى إس دي آي سي للأوراق المالية، أن وقف عمليات إعادة الشراء العكسية لأجل 7 أيام يستهدف أيضًا الحد من «سلوك القطيع» في سوق السندات. وفي المقابل، يتيح الإعلان المبكر عن ضخ السيولة لليلة واحدة لبنك الشعب الصيني التعامل بمرونة أكبر مع احتياجات النظام المصرفي خلال فترة دفع الضرائب.
وتتجاوز أهمية الخطوة إدارة السيولة اليومية، إذ تكشف عن تحول هيكلي في إطار السياسة النقدية الصينية. وأوضح بنك الشعب الصيني في تقريره الفصلي الأخير أن سعر الفائدة المستهدف للمدى القصير بدأ يتحول تدريجيًا منذ عام 2025 من سعر إعادة الشراء لأجل 7 أيام إلى سعر الفائدة لليلة واحدة، فيما عززت السلطات خلال عام 2026 إشاراتها إلى السوق بشأن هذا الانتقال.
ويمنح اعتماد سعر الفائدة لليلة واحدة البنك المركزي قدرة أكبر على التأثير في الجزء الأقصر من منحنى العائد، خصوصًا أن معاملات إعادة الشراء لليلة واحدة تمثل نحو 90% من إجمالي تداولات إعادة الشراء في سوق ما بين البنوك الصينية.
كما يجعل هذا الإطار السياسة النقدية الصينية أقرب إلى ممارسات بنوك مركزية عالمية تستخدم أسعار الفائدة لليلة واحدة مرساة أساسية للأسواق النقدية.
وقال شينكوان تشين، الخبير الاقتصادي المختص بالصين لدى غولدمان ساكس، إن توضيحات البنك المركزي تؤكد استمرار تحوله من تنفيذ السياسة النقدية القائم على الكميات إلى نهج يعتمد بدرجة أكبر على الأسعار.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية مع سعي بكين إلى دعم النمو من دون السماح للسيولة الوفيرة بإحداث اختلالات في أسواق الأصول. فقد تدفع الآفاق الاقتصادية الضعيفة المستثمرين بكثافة نحو السندات، ما يؤدي إلى انخفاض سريع في العوائد، في حين تحتاج السلطات إلى إبقاء تكاليف التمويل منخفضة بما يكفي لدعم الاقتصاد الحقيقي.
ومع اعتماد تسعير القروض بصورة متزايدة على مؤشرات متعددة، من بينها أسعار إعادة الشراء بين المؤسسات المالية، من المرجح أن يسعى بنك الشعب الصيني إلى إبقاء سعر الأموال لليلة واحدة ضمن نطاق أضيق حول مستوى الفائدة المستهدف.
وبذلك، لا تمثل عمليات آب/أغسطس الحالية مجرد ضخ مؤقت للسيولة، بل تأتي ضمن إعادة تصميم أوسع لآلية انتقال السياسة النقدية الصينية، بهدف منح البنك المركزي قدرة أكبر على توجيه أسعار السوق بصورة مباشرة، مع تحقيق توازن بين دعم الاقتصاد والحفاظ على استقرار سوق السندات ومنع السيولة الوفيرة من التحول إلى مصدر جديد للمخاطر المالية.



