Contact Us
Ektisadi.com
طاقة

أوروبا في سباق مع الشتاء لتأمين الغاز وسط اضطرابات هرمز

13 أغسطس 2026 | 11:15 ص
أوروبا في سباق مع الشتاء لتأمين الغاز ai

تواجه أوروبا صعوبة في تعزيز مخزونات الغاز الطبيعي قبل حلول الشتاء، في ظل اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، ما يهدد بتفاقم المنافسة على الشحنات المتاحة وارتفاع الأسعار خلال موسم الطلب المرتفع، بحسب بلومبيرغ.

وتراجعت مستويات مخزونات الغاز الأوروبية إلى 59% حتى 10 آب/أغسطس، وهو أدنى مستوى موسمي مسجل منذ بدء السجلات المتاحة عام 2009. ويثير ذلك مخاوف من دخول القارة فصل الشتاء بقدرة محدودة على مواجهة أي صدمات إضافية في الإمدادات أو ارتفاعات حادة في الأسعار.

وتتعرض حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لقيود شديدة بسبب الصراع في الشرق الأوسط، فيما يمر عبر المضيق عادةً نحو خُمس التدفقات العالمية من الغاز الطبيعي المسال. وأدى ذلك إلى اشتداد المنافسة بين المشترين على الشحنات المتبقية، ولا سيما مع سعي المشترين الآسيويين إلى تأمين إمدادات بديلة.

كما أدى القلق من نقص الإمدادات على المدى القريب إلى ارتفاع أسعار الغاز للتسليم خلال الصيف فوق أسعار العقود الشتوية في فترات متكررة، ما قلّص الحافز أمام التجار لتخزين الغاز خلال الأشهر الدافئة تمهيدًا لاستخدامه في الشتاء.

ولا توجد مؤشرات قوية حتى الآن على قرب التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران من شأنها إعادة فتح مضيق هرمز، بينما لم يتبقَّ أمام أوروبا سوى بضعة أشهر قبل بدء الشتاء.

ودخلت أوروبا الشتاء الماضي بمستويات مخزون أقل من المعتاد، بعدما أدت صعوبة موسم إعادة التخزين في عام 2025 إلى تقليص حوافز المتعاملين لشراء الغاز وتخزينه للتسليم في المستقبل.

كما استُنزفت المخزونات العام الماضي خلال فترات من الطقس الشتوي قليل الرياح، ما أدى إلى زيادة استخدام الغاز لتعويض انخفاض إنتاج الطاقة المتجددة. وأثارت تكهنات بشأن تدخل ألمانيا لدعم عمليات التخزين، وهو ما لم يحدث في نهاية المطاف، تقلبات في الأسعار قلّصت بدورها الحافز لإعادة ملء المخزونات.

وفي العام الحالي، أدت الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، التي تُعد عادةً ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم. وسارع المشترون الآسيويون الأكثر تعرضًا لنقص الإمدادات إلى سحب شحنات كانت متجهة إلى أوروبا.

وفي الوقت نفسه، أدى نمط مناخي آخذ في التطور مرتبط بظاهرة إل نينيو، إلى جانب موجات الحر المتتالية، إلى زيادة الطلب على الغاز المستخدم في تبريد المباني وتوليد الكهرباء.

واتخذت بعض الدول إجراءات سريعة لمواجهة الوضع، إذ جدّدت إيطاليا، أكبر مشترٍ أوروبي للغاز الطبيعي المسال القطري، حوافز لتشجيع عمليات التخزين. في المقابل، تواصل ألمانيا مقاومة مثل هذه الإجراءات، رغم أن مستويات مخزون الغاز لديها تتراجع مقارنة بدول مثل إيطاليا وفرنسا.

وفي حال استمرار شح الإمدادات ودخول أوروبا الشتاء بمخزونات منخفضة، فقد تضطر الدول الأوروبية إلى دفع أسعار أعلى خلال الأشهر الباردة لتلبية الطلب على التدفئة وتوليد الكهرباء.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، اقتربت أسعار الغاز الأوروبية من الضعف مقارنة بالمستويات المسجلة في الفترة نفسها من عام 2025، في حين أدى اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال القطري إلى تأجيل فائض عالمي متوقع في المعروض لمدة عامين على الأقل.

وستعتمد شدة المنافسة الأوروبية على شحنات الغاز الطبيعي المسال بدرجة كبيرة على الطلب من الصين، أكبر مستهلكي الغاز عالميًا، وعلى زيادة إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة النووية اليابانية، إضافة إلى الظروف الجوية في آسيا.

ويمتلك الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شبكة لمنشآت تخزين الغاز في العالم بعد الولايات المتحدة. وتغطي المخزونات عادةً نحو 30% من احتياجات الاتحاد من الغاز خلال الشتاء، وأكثر من 50% خلال أبرد الأيام، ولا سيما عندما تؤدي سرعة الرياح المنخفضة إلى تراجع إنتاج الطاقة المتجددة.

وتعتمد أوروبا بصورة كبيرة على هذه الاحتياطيات لأن استهلاك الغاز يتضاعف تقريبًا مع تشغيل أنظمة التدفئة خلال الشتاء. وحتى مع زيادة إمدادات الموردين مثل النرويج والجزائر والولايات المتحدة إلى أقصى مستوياتها، لا تكفي تدفقات الغاز عبر الأنابيب وواردات الغاز الطبيعي المسال وحدها عادةً لتلبية ذروة الطلب.

وتكتسب المخزونات أهمية أكبر عند حدوث اضطرابات مفاجئة وحادة في الإمدادات.

يبقى احتمال تدخل الحكومات، ولا سيما ألمانيا، لدعم عمليات شراء الغاز خلال الأشهر المقبلة مطروحًا في أسواق الطاقة، خصوصًا إذا ظل مضيق هرمز مغلقًا. وقد يؤدي هذا التدخل إلى إشعال منافسة على شراء الغاز مع مناطق أخرى تستهلك كميات كبيرة منه.

وتسمح لوائح الاتحاد الأوروبي للحكومات بالتدخل وتكليف جهات محددة بشراء الغاز إذا أخفق المتعاملون في السوق في ملء مخزوناتهم بالسرعة المطلوبة.

وفي حال استمرت الاضطرابات في الشرق الأوسط وواصلت أسعار الغاز ارتفاعها، فقد يكون تخزين الغاز حاليًا قرارًا صائبًا، إذ قد تواجه الدول ذات المخزونات المحدودة إمدادات أكثر شحًا وتكاليف أعلى خلال الشتاء.

لكن إذا استؤنفت تدفقات الغاز من الخليج العربي قريبًا وتراجعت الأسعار، فقد يتكبد الذين يخزنون الغاز حاليًا خسائر نتيجة شراء كميات مرتفعة التكلفة، وهو ما قد ينعكس على فواتير المستهلكين.

وفي أيار/مايو، قال مدير سوق الغاز في ألمانيا إن بلاده لن تتدخل لإعادة ملء المخزونات، انطلاقًا من قناعة بأن الجهات الخاصة ستتولى ذلك في نهاية المطاف. وفي دول أخرى، مثل إيطاليا وهولندا، بدأت الحكومات تقديم بعض أشكال الدعم.

ويمتلك بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، من بينهم إيطاليا والنمسا، احتياطيات غاز «استراتيجية» خاضعة لسيطرة الدولة ولا تكون متاحة بصورة حرة لبقية السوق. وتغطي الاحتياطيات الحكومية نحو 11% من إجمالي سعة التخزين في الاتحاد الأوروبي في المتوسط، وفقًا للشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الغاز.

وتخطط ألمانيا أيضًا لإنشاء احتياطي غاز استراتيجي، لكن المشروع لن يكون جاهزًا قبل شتاء هذا العام.

ورغم أن تدخل الدولة يمكن أن يعزز أمن الإمدادات، فإنه قد يؤدي إلى تشويه الأسعار. ولا يُرجح أن تواجه أوروبا صعوبة في تأمين الكميات اللازمة للشتاء، لكن التحدي الأكبر يتمثل في تكلفة هذه الإمدادات وقدرة الأسر والقطاعات الصناعية على تحمل ارتفاع جديد في فواتير التدفئة والكهرباء، بعد سنوات قليلة فقط من أزمة الغاز السابقة.

يُضغط الغاز ويُضخ تحت ضغط مرتفع إلى منشآت التخزين، حيث يبقى إلى حين الحاجة إليه. وغالبًا ما تندمج منشآت التخزين الأوروبية مع البيئة المحيطة، ولا يظهر منها سوى رؤوس الآبار أو محطات الضخ، فيما تمتد تحت الأرض حقول غاز مستنفدة أو كهوف ملحية أو طبقات مياه جوفية توفر بيئة محكمة لتخزين الغاز.

ويُعد موقع ريدن في ألمانيا، الذي يُصنف بين أكبر منشآت تخزين الغاز من نوعه في أوروبا، مثالًا على ضخامة هذه المنشآت، إذ تعادل مساحته الواقعة تحت الأرض أكثر من 900 ملعب لكرة القدم.

دفعت أزمة الطاقة التي اندلعت بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 الاتحاد الأوروبي إلى وضع أهداف لمستويات تخزين الغاز في دول التكتل، بهدف تعزيز أمن الإمدادات.

وبموجب القواعد المعدلة التي أضيفت إليها بعض المرونة في عام 2025، يفترض أن تبلغ المخزونات 90% من سعتها في أي وقت بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر.

ويمكن خفض هذه النسبة إلى 80% في حال وجود ظروف صعبة، وهو المستوى الذي أصبح مقبولًا إلى حد كبير في قطاع الطاقة باعتباره هدفًا للشتاء المقبل، وقد تنخفض النسبة إلى 75% في حال استمرار التحديات.

وتوجد أيضًا استثناءات لبعض الدول وفقًا للطلب المحلي وصادرات الغاز إلى الدول المجاورة. وتظل هذه القواعد سارية حتى نهاية عام 2027.

قد يؤدي التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعيد فتح مضيق هرمز إلى تحرير إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج العربي، إذا اطمأن الناقلون إلى عودة الملاحة الآمنة عبر المضيق.

وكانت قطر قد أوقفت في تموز/يوليو جهودًا لزيادة الإنتاج سريعًا، عقب هجوم استهدف ناقلة في الممر المائي.

لكن عودة الإمدادات لن تكون فورية حتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز، إذ تستغرق الناقلة نحو أسبوعين أو أكثر للوصول من قطر إلى الموانئ الأوروبية. كما ستحتاج التدفقات إلى وقت للعودة إلى مستوياتها الطبيعية.

وتراجع إنتاج منشأة رأس لفان القطرية، أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، منذ هجوم إيراني وقع خلال الأسبوع الأول من الحرب، ما أدى إلى إلغاء شحنات كانت مقررة.

تعكس الفروق بين أسعار عقود الغاز للتسليم في الصيف وتلك الخاصة بالشتاء مستوى الحافز المتاح أمام التجار لتخزين الغاز استعدادًا للشتاء المقبل.

وعادةً ما يسعى المشترون إلى الاستفادة من انخفاض أسعار الغاز خلال الأشهر الدافئة، عندما يتراجع الطلب على التدفئة والاستهلاك، ثم استخدام الغاز المخزن خلال الشتاء أو بيعه لتحقيق أرباح.

لكن الصراع في الشرق الأوسط دفع أسعار الغاز الأوروبية للتسليم الصيفي إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أعوام خلال آذار/مارس، فيما بلغ الفارق بينها وبين عقود الشتاء نحو 8 يورو لكل ميغاواط/ساعة في ذروته.

ورغم تقلص هذا الفارق بصورة كبيرة مع تصاعد المخاوف بشأن توافر الغاز خلال الشتاء، لا تزال الحوافز غير كافية لدفع شركات الطاقة والتجار إلى زيادة عمليات التخزين بالوتيرة المطلوبة.