Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

لندن تفقد سكانها الأكثر إنتاجية بسبب أزمة السكن وارتفاع كلفة المعيشة

10 أغسطس 2026 | 08:57 م
النزوح في لندن - AI

تواجه لندن نزوحًا متزايدًا لسكانها في سن العمل، بعدما تراجعت أعداد سكان العاصمة العام الماضي للمرة الثالثة فقط خلال أربعة عقود، مدفوعة بشكل أساسي بخروج عشرات الآلاف من الأشخاص في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، ولا سيما العائلات التي لديها أطفال.

ويرتبط هذا النزوح بدرجة كبيرة بأزمة السكن، إذ بات كثير من سكان لندن يجدون صعوبة في تحمل تكلفة منزل مناسب داخل العاصمة، في وقت تراجع فيه بناء المساكن الجديدة إلى مستويات منخفضة للغاية. ووفقًا لمركز دراسات السياسات، من المتوقع ألا يتجاوز عدد المنازل المكتملة في لندن خلال عامي 2027 و2028 نحو 5 آلاف وحدة، وهو مستوى يقل عن أي فترة سابقة على مدى العقود الثمانية الماضية.

ولا تتعلق المشكلة بأسعار المنازل وحدها، بل بما يحصل عليه السكان مقابل الأموال التي يدفعونها. فكثير من المساكن الجديدة أو المعروضة للبيع توصف بأنها راقية أو مرغوبة، لكنها غالبًا ما تكون شققًا متشابهة المساحات والتصميم، أو منازل ضيقة تحتاج إلى صيانة، ما يدفع العائلات إلى البحث عن خيارات أفضل خارج العاصمة.

ويعود ضعف المعروض السكني إلى القيود المفروضة على التخطيط العمراني، التي تجعل بناء المنازل الجديدة أكثر صعوبة. كما أن محدودية تنوع شركات البناء تؤدي إلى مشاريع متشابهة التصميم، بينما تحد القواعد التنظيمية من قدرة المشترين على اختيار تصاميم ومواصفات تناسب احتياجاتهم.

وبالنسبة لكثير من سكان لندن، يصبح دفع آلاف الجنيهات شهريًا مقابل شقة صغيرة أقل جاذبية عندما يكون بإمكانهم الانتقال إلى مدن خارج العاصمة والحصول على مساحة أكبر ومساكن أكثر تنوعًا، حتى لو اضطروا إلى تحمل رحلات يومية طويلة إلى العمل.

وقد بدأت آثار هذا النزوح تظهر في مدن وبلدات بريطانية بعيدة عن لندن. ففي غرانثام، على سبيل المثال، أصبحت القطارات القادمة من العاصمة مكتظة بالموظفين الذين يعودون في وقت متأخر من المساء بعد رحلات عمل طويلة. وفي لينكولن، يقضي بعض السكان نحو خمس ساعات يوميًا في التنقل من وإلى لندن عدة مرات في الأسبوع.

كما ارتفعت أسعار العقارات في المناطق الواقعة على مسافة تزيد على ساعة من العاصمة خلال فترة جائحة كورونا، بعدما دفعت الرغبة في الحصول على مساحة أكبر كثيرًا من العائلات إلى مغادرة المدن. وسجلت أسعار المنازل في بعض تلك المناطق ارتفاعات تجاوزت المتوسط السنوي الوطني البالغ 13%، وفق بيانات نقلها بنك إنجلترا.

وساهمت الجائحة في تغيير نظرة سكان المدن إلى مكان الإقامة والعمل، إذ اكتشفت عائلات كثيرة أنها تستطيع العيش في منازل أكبر وأقل تكلفة خارج لندن، مع الاستمرار في العمل لدى شركات داخل العاصمة، خصوصًا مع انتشار العمل عن بُعد والنماذج الهجينة.

وبعد الاعتياد على مساحة إضافية وتكاليف أقل للمدارس الخاصة ورعاية الأطفال، أصبح من الصعب على بعض الأسر تبرير العودة إلى الحياة داخل لندن. وقد يكون ذلك أحد الأسباب التي تجعل محاولات الشركات إعادة الموظفين بصورة دائمة إلى مكاتبها تواجه مقاومة.

ولا يقتصر تأثير الهجرة الداخلية على لندن، إذ بدأت المدن الصغيرة في مختلف أنحاء بريطانيا تتغير مع وصول السكان الجدد. ففي بعض الشوارع التجارية، تحل صالونات التجميل ومقاهي القهوة الحديثة محل الحانات التقليدية ومحال المراهنات، بينما يواجه بعض السكان الجدد صعوبة في شراء المنازل بسبب ارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة الطلب.

كما تمتد التغييرات إلى المناطق الريفية المحيطة بهذه المدن، حيث ظهرت توترات بين السكان المحليين والقادمين الجدد، خصوصًا بشأن سلوك أصحاب الكلاب في المناطق الزراعية. واضطرت الحكومة البريطانية العام الماضي إلى تشديد التشريعات المتعلقة بمسؤولية أصحاب الكلاب وحماية المواشي.

لكن التأثير الأكبر يبقى على لندن نفسها، إذ إن استمرار خروج العائلات والسكان في سن العمل قد يؤدي إلى إفراغ العاصمة تدريجيًا من جزء من سكانها الأكثر إنتاجية، ويجعلها مدينة تعتمد بدرجة أكبر على المستأجرين الشباب وكبار السن من ملاك العقارات.

وتشير هذه التطورات إلى أن أزمة السكن لا تمثل مشكلة اجتماعية فقط، بل تحديًا اقتصاديًا طويل الأمد أمام لندن وبريطانيا، إذ تحتاج العاصمة إلى توفير مساكن أكثر تنوعًا وجاذبية وبأسعار يمكن تحملها، للحفاظ على قدرتها على جذب السكان والمواهب التي تعتمد عليها في استمرار مكانتها الاقتصادية العالمية.