تركي يكرّس 60 عامًا لإحياء لغة مملكة أورارتو المنسية

الحارس المخلص للأورارتيين في جنوب تركيا
لم يمضِ محمد كوشمان وقتًا طويلًا في المدرسة، لكنه أمضى عقودًا في تتبع النقوش القديمة المحفورة على صخور البازلت الأسود وقراءة كتاباتها، مكرسًا حياته لحصن تشاووش تبه في شرق تركيا ولتعلم لغة مملكة أورارتو التي اندثرت قبل قرون، بحسب فرانس برس.
ويبلغ كوشمان 86 عامًا، وقد بدأ ارتباطه بموقع تشاووش تبه بعد خدمته العسكرية في ستينيات القرن الماضي، عندما عمل عاملًا في عمليات التنقيب الأثري هناك. وهناك عثر على أول مسلة تحمل نقوشًا قديمة، ما دفعه إلى محاولة فك رموز اللغة المكتوبة بالخط المسماري.
وقال كوشمان لوكالة فرانس برس إن النقش الذي عثر عليه كان جميلًا جدًا، لكن رئيس بعثة التنقيب نصحه بعدم محاولة تعلم هذا الخط، معتبرًا أنه بالغ الصعوبة، إذ استعارت أورارتو أبجدية الكتابة المسمارية من الآشورية.
ورغم افتقاره إلى التعليم الأكاديمي، بدأ كوشمان بنسخ النقوش التي عُثر عليها خلال عمليات التنقيب في شرق تركيا وإيران وأرمينيا، وهي مناطق امتدت إليها مملكة أورارتو في السابق.
وقال إنه تمكن خلال ثلاث سنوات من إتقان الأبجدية، لكنه احتاج إلى 22 عامًا لإتقان نحو 650 كلمة من مفردات اللغة.
أشاد أكاديميون تحدثت إليهم فرانس برس بشغف كوشمان وتفانيه، فيما أصبح شخصية معروفة محليًا بسبب اهتمامه بلغة أورارتو، ويصف نفسه بأنه واحد من آخر سبعة أشخاص في تركيا يتحدثون اللغة الأورارتية.
وقال إركان كونيار، أستاذ التاريخ القديم في جامعة إسطنبول، إن أورارتو كانت واحدة من أقوى دول الشرق الأدنى القديم بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد.
وأوضح كونيار أن مملكة أورارتو، التي ظهرت بعد ممالك بلاد الرافدين الكبرى مثل آشور وسومر وبابل، وحّدت مجتمعات جبلية قبلية تحت سلطة مركزية، وشيدت مدنًا وحصونًا وشبكات للري ومنشآت ضخمة لتخزين الأغذية.
ورغم تقاعده عام 2005، واصل كوشمان مراقبة موقع تشاووش تبه وتعريف الزوار بتاريخ أورارتو، بحسب كونيار المتخصص في توشبا، عاصمة المملكة المؤسسة.
وقال كونيار إن كوشمان عاش طوال 60 عامًا وسط أعمال التنقيب، وأسهم في تعريف آلاف الزوار بتاريخ المملكة.
لكن كونيار يتحفظ على ادعاء كوشمان القدرة على التحدث باللغة الأورارتية، موضحًا أن المؤرخين لا يعرفون على وجه الدقة كيفية نطقها.
وقال إن النقوش المتاحة تسمح بفهم اللغة إلى حد معين، لكن نقص المفردات والنصوص يجعل من الصعب تحديد معاني الكثير من الكلمات، مضيفًا أن لا أحد يستطيع الادعاء بأنه يتحدث الأورارتية.
وقال محمد إيشكلي، رئيس قسم آثار الشرق الأدنى في جامعة أتاتورك بمدينة أرضروم، إن سكان أورارتو أنفسهم لم يكونوا يتحدثون هذه اللغة، بل كانت تستخدم في الكتابة فقط.
حوّل شغف كوشمان باللغة الأورارتية إلى شخصية معروفة محليًا، إذ ألقى محاضرات عنها في الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا وبلجيكا، وقال إنه يفكر حاليًا في السفر إلى اليابان.
ويعمل إيشكلي على التنقيب في حصن أيانيس، آخر الحصون الكبرى التي شيدتها مملكة أورارتو قبل انهيارها، ويقع على بعد نحو 35 كيلومترًا شمال مدينة وان، مطلًا على البحيرة.
وأشار إيشكلي إلى أن أعمال التنقيب قد تكشف معلومات عن نهاية مملكة أورارتو، بعدما عثر الباحثون على آثار تشير إلى وقوع زلزال قوي.
ورغم تحفظاته الأكاديمية، قال إيشكلي إنه يكن احترامًا لكوشمان، مشيدًا بجهوده في تسليط الضوء على الثقافة الأورارتية.
وقال إن كوشمان يسهم في التعريف بأورارتو، لكن عمله لا يندرج ضمن البحث الأكاديمي، إذ يعرف عددًا محدودًا من العلامات أو الحروف وبعض المعلومات العامة جدًا عنها.
وفي كوخه الحجري الصغير عند مدخل موقع تشاووش تبه، لا يبدو كوشمان متأثرًا بالمشككين، إذ يصف نفسه بأنه من أحفاد الأورارتويين، مؤكدًا أن شعب أورارتو اختفى، "لكن انظروا، ليسوا جميعًا أمواتًا"، قبل أن ينهض لاستقبال الزوار.




