Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

الصين تعبّئ أسواقها المالية البالغة 28 تريليون دولار لمنافسة أميركا في سباق الذكاء الاصطناعي

10 أغسطس 2026 | 06:53 م
المنافسة الصينية-الأميركية في الذكاء الاصطناعي وتمويل التكنولوجيا - AI

تسعى الصين إلى استخدام أسواق رأس المال، التي تبلغ قيمتها نحو 28 تريليون دولار، كأداة رئيسية لتمويل قطاع التكنولوجيا وتعزيز قدرتها على المنافسة مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، في تحول واضح عن اعتماد بكين التقليدي على الدعم الحكومي والإعانات والاستثمارات الحكومية.

وتزامن هذا التوجه مع تسريع إجراءات طرح شركات التكنولوجيا الاستراتيجية للاكتتاب العام، وتوسيع قنوات التمويل عبر السندات، إلى جانب تدخل السلطات لدعم الأسواق عندما تراجعت أسهم التكنولوجيا في تموز/يوليو. ويعكس ذلك استراتيجية أوسع بدأت منذ عام 2025 لربط الإقراض المصرفي وإصدارات السندات وأسواق الأسهم والاستثمارات طويلة الأجل بتمويل الشركات التكنولوجية.

وبرزت شركة CXMT Corp. لصناعة رقائق الذاكرة كأحد أبرز الأمثلة على هذه السياسة. فقد ارتفع سهم الشركة بأكثر من 500% خلال ساعات من بدء تداوله في بورصة شنغهاي الشهر الماضي، قبل أن يغلق أول جلسة له مرتفعًا بنحو 466%، ما دفع قيمتها السوقية إلى مستويات تجاوزت بنك الصين للصناعة والتجارة، وجعلها لفترة الشركة الأعلى قيمة في البر الرئيسي الصيني.

وكانت بكين قد سرعت إجراءات إدراج CXMT، إذ كانت أول شركة تمر عبر برنامج “المراجعة الأولية” المخصص للشركات ذات الأهمية الاستراتيجية. وانتقلت الشركة من تقديم طلب الإدراج إلى بدء التداول خلال أقل من ثمانية أشهر، وجمعت نحو 9.8 مليار دولار، في واحدة من أكبر عمليات الاكتتاب في الصين خلال السنوات الأخيرة.

لكن الأداء القوي للسهم كشف عن مفارقة في سياسة التسعير الصينية، إذ يشير ارتفاعه الكبير في أول جلسة إلى أن أسهم الشركة طرحت بسعر أقل بكثير من استعداد المستثمرين للدفع. ويسمح التسعير المحافظ للاكتتابات بحماية المستثمرين من الخسائر، لكنه يقلل في المقابل من الأموال التي تستطيع الشركات الاستراتيجية جمعها، مقارنة بمنافسين عالميين مثل شركة SK Hynix الكورية الجنوبية التي جمعت مؤخرًا 26.5 مليار دولار في الولايات المتحدة.

وتأتي هذه التحركات في وقت أصبح فيه الوصول إلى رأس المال عنصرًا أساسيًا في المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي، الذي يُنظر إليه باعتباره من أكثر القطاعات احتياجًا إلى التمويل في التاريخ الحديث، فضلًا عن ارتباطه بالنمو الاقتصادي والقدرات العسكرية.

وخلال العامين الماضيين، جمعت شركات التكنولوجيا الصينية نحو 217 مليار دولار عبر الاكتتابات العامة وإصدارات السندات، وفق بيانات بلومبيرغ. وفي المقابل، جمعت الشركات الأميركية أكثر من ستة أضعاف هذا المبلغ، بقيادة شركات مثل Amazon وAlphabet.

ويرى محللون أن بكين تحاول من خلال أسواق رأس المال تقليص هذه الفجوة، خصوصًا أن الصين تمتلك نحو 26 تريليون دولار من مدخرات الأسر، وهي أكبر كتلة من المدخرات المنزلية في العالم. كما تستفيد الشركات الصينية من انخفاض تكاليف التمويل مقارنة بالعديد من منافسيها الغربيين.

وفي سوق السندات، باعت شركات التكنولوجيا الصينية ما لا يقل عن 38 مليار دولار من السندات المحلية والدولية خلال العام الحالي، وهو أعلى مستوى للفترة نفسها منذ 2016. إلا أن هذا الرقم لا يمثل سوى نحو 7% من التمويل الذي جمعته نظيراتها الأميركية، والذي بلغ 578 مليار دولار، وجاء نحو ثلثه من Amazon وAlphabet وSpaceX.

وتتمتع الصين بميزة إضافية تتمثل في انخفاض تكلفة الاقتراض. فقد بلغ متوسط سعر الفائدة على سندات شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى نحو 1.9% هذا العام، أي أقل بأكثر من 300 نقطة أساس من نظيراتها الأميركية، وهو أوسع فارق منذ عام 2015 على الأقل.

وأصدرت شركة Contemporary Amperex Technology، أكبر شركة لصناعة البطاريات في العالم، سندات باليوان لأجل خمس سنوات بعائد 1.58%، مقارنة بعائد 5.25% دفعته شركة LG Energy Solution الكورية الجنوبية على سندات بالدولار ذات أجل مماثل.

ويرى محللون أن انخفاض تكاليف التمويل، إلى جانب توفر ما يُعرف بـ”رأس المال الصبور”، أي الأموال المستعدة للانتظار طويلًا لتحقيق العوائد، يمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير وتوسيع الطاقة الإنتاجية.

ولا يقتصر التحول على الشركات الكبرى، إذ استفادت شركات أصغر أيضًا من السياسة الجديدة. فقد جمعت شركة Jiangsu Lettall Electronic، المتخصصة في المكونات الكهربائية، نحو 200 مليون يوان من أول إصدار سندات عامة لها في آذار/مارس، لشراء معدات حوسبة تستخدمها في أعمال الذكاء الاصطناعي، بعائد بلغ 2.5% على سندات لأجل ثلاث سنوات.

وفي الوقت نفسه، بدأت تدفقات المستثمرين تتحول من قطاعات العقارات والاستهلاك والقطاعات التقليدية إلى شركات الرقائق والتصنيع المتقدم. وارتفعت حصة شركات التكنولوجيا في مؤشر CSI 300 لتقترب من حصة القطاع المالي، بل وتتجاوزها في بعض الفترات.

إلا أن ضخ كميات كبيرة من رأس المال في القطاعات المدعومة سياسيًا يحمل مخاطر، من بينها زيادة الطاقة الإنتاجية وتراجع هوامش الأرباح وازدحام الاستثمارات في قطاعات محددة. وقد ظهرت هذه المشكلات سابقًا في قطاعات مثل الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية، حيث أدى الدعم الحكومي القوي لسنوات إلى اشتداد المنافسة وتراجع الربحية.

كما يثير الارتفاع الكبير في أسهم شركات التكنولوجيا مخاوف بشأن انفصال التقييمات عن الأساسيات. فقد أشار محللون إلى أن سهم CXMT يتداول بعلاوة كبيرة مقارنة بشركات الذاكرة العالمية، ما يشير إلى أن تأثير السياسة الحكومية وندرة الأسهم قد يكون أكبر من العوامل الأساسية في تحديد قيمته على المدى القصير.

وتبقى المسألة الأهم هي ما إذا كان توفير المزيد من الأموال قادرًا وحده على تقليص الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة. ويؤكد خبراء أن رأس المال شرط ضروري، لكنه ليس كافيًا، إذ تحتاج الصين أيضًا إلى التكنولوجيا والمواهب والقدرة على تحويل الابتكارات إلى منتجات وتطبيقات تجارية واسعة النطاق.

ومع ذلك، قد تتمتع الصين بميزة تتمثل في قدرتها على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بتكاليف أقل. وتشير تقديرات UBS إلى أن تكاليف تدريب النماذج الصينية تقل عن 10% من تكاليف نماذج رائدة عالمية مثل OpenAI وAnthropic، بينما تقل أسعار واجهات برمجة التطبيقات لنماذج صينية رئيسية عن 20% من أسعار نظيراتها العالمية.

وقد تسمح هذه الكفاءة للصين بتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة ليس بالضرورة عبر التفوق في الابتكار وحده، بل من خلال تصنيع الذكاء الاصطناعي وتسويقه على نطاق واسع، مستفيدة من قاعدتها الصناعية وسلاسل التوريد الواسعة وخبراتها الهندسية.

ويرى خبراء أن نتيجة المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين ستعتمد في النهاية على قدرة كل دولة على الجمع بين الاستثمار طويل الأجل في الابتكار وتوسيع القدرات الصناعية. ومن يمتلك هذه العناصر مجتمعة قد يحظى بميزة تنافسية مستدامة في سباق الذكاء الاصطناعي.