Contact Us
Ektisadi.com
تكنولوجيا

من الخيال العلمي إلى الواقع… الصين تدفع بالروبوتات الشبيهة بالبشر إلى مرحلة جديدة

فاطمة أسعد ـ بيروت
3 أغسطس 2026 | 01:49 م
مدرسة لتدريب الروبوتات ai

لم يعد العامل الجديد في المصنع بالضرورة إنسانًا، ولم تعد الآلات الذكية مجرد أدوات تجيب عن الأسئلة أو تنتج المحتوى, فمع تطور الذكاء الاصطناعي المتجسد، بدأت الروبوتات تقترب من أداء أدوار تتطلب الحركة والتفاعل واتخاذ القرار داخل بيئات حقيقية. وهذه المشاهد التي كانت لسنوات طويلة جزءًا من أفلام الخيال العلمي، تتحول تدريجيًا إلى مشاريع واقعية مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة تتجاوز العالم الرقمي نحو آلات قادرة على التعلم والعمل في الواقع.

وفي أوائل تموز/يوليو 2026، افتتحت الصين مدرسة متخصصة لتدريب الروبوتات الشبيهة بالبشر في مدينة هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ، في خطوة تهدف إلى تطوير قدرات هذه الآلات عبر تدريبها داخل بيئات تحاكي ظروف العمل الحقيقية، وفق ما أوردته حكومة مدينة هانغتشو. ولا تقوم فكرة المدرسة على تعليم الروبوتات تنفيذ أوامر مبرمجة مسبقًا فقط، بل على تزويدها بخبرات عملية وبيانات واقعية تساعدها على تحسين قدرتها على التفاعل مع الأشخاص والأشياء والبيئات المختلفة.

وبدأت المدرسة بدفعة أولى من الروبوتات الشبيهة بالبشر، حيث تخضع لتدريبات واختبارات في مجالات متعددة تشمل المهام الصناعية والخدمية، بهدف تقييم قدرتها على تنفيذ وظائف محددة قبل توسيع نطاق استخدامها. ويعكس هذا النموذج تحولًا في طريقة تطوير الروبوتات، إذ لم يعد التركيز منصبًا فقط على تصميم الآلة، بل على تدريبها واكتسابها الخبرة من خلال التفاعل المباشر مع العالم المحيط.

وتندرج هذه الخطوة ضمن مفهوم “الذكاء الاصطناعي المتجسد” (Embodied AI)، وهو أحد الاتجاهات الحديثة في تطوير الذكاء الاصطناعي، ويقوم على دمج النماذج الذكية مع أجسام روبوتية قادرة على الإدراك والحركة واتخاذ القرار. وعلى عكس أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تعمل ضمن بيئات رقمية، تسعى هذه التقنية إلى منح الآلات قدرة أكبر على فهم محيطها وتنفيذ مهام واقعية.

ولا تمثل مدرسة هانغتشو مشروعًا منفصلًا، بل تأتي ضمن استراتيجية صينية أوسع لتحويل الروبوتات الشبيهة بالبشر من نماذج تجريبية إلى أدوات قابلة للاستخدام في الصناعة والخدمات. فبكين تراهن على أن تصبح هذه الروبوتات جزءًا من منظومة التصنيع الذكي، مستفيدة من قاعدة صناعية واسعة تشمل تطوير المكونات الأساسية، مثل أجهزة الاستشعار والمحركات وأنظمة التحكم.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على تطوير الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي. فلم يعد السباق مقتصرًا على بناء نماذج قادرة على تحليل البيانات أو إنتاج النصوص والصور، بل امتد إلى تطوير آلات تستطيع الحركة والتفاعل والعمل في العالم الحقيقي.

وتشير الأرقام الرسمية إلى حجم الرهان الصيني على هذا القطاع؛ إذ أوضح مسؤولو وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمنظومة الصناعية المرتبطة بها توفر زخمًا جديدًا لتطور صناعة الروبوتات، مشيرين إلى أنه وفقًا للتقديرات والأهداف الحكومية، من المتوقع أن يتجاوز إنتاج الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين 100 ألف وحدة خلال عام 2026.

كما أكد المسؤولون في الوزارة أن معدل استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشركات الصناعية الكبرى تجاوز 30%، ما يعكس توسع اعتماد هذه التقنيات داخل القطاع الصناعي، ضمن مسار يهدف إلى تعزيز التصنيع الذكي ورفع الإنتاجية.

ولا تركز الصين على تصنيع الروبوتات فقط، بل تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل تطوير البرمجيات، وتصنيع المكونات الدقيقة، وتوفير البنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه الآلات. ويمنحها امتلاكها واحدة من أكبر قواعد التصنيع في العالم قدرة على تسريع تطوير الروبوتات وخفض تكاليف إنتاجها مقارنة بالعديد من المنافسين.

وبرز هذا التوجه أيضًا خلال مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي WAIC 2026 في شنغهاي، الذي جمع أكثر من 1100 شركة ومؤسسة عارضة، وشهد عرض أكثر من 3000 ابتكار وتقنية، بينها أكثر من 300 منتج كُشف عنه للمرة الأولى عالميًا، وفق بيانات منظمي المؤتمر.

وخلال المؤتمر، عرضت شركات صينية نماذج من روبوتات شبيهة بالبشر قادرة على تنفيذ مهام صناعية وخدمية، مثل التعامل مع المكونات، ونقل الأدوات، والتفاعل مع المستخدمين، في محاولة لإثبات قدرة هذه الآلات على الانتقال من المختبرات إلى الاستخدامات العملية.

وأشار ممثلو قطاع التكنولوجيا والعلوم بالوزارة إلى أن مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي يعكس انتقال تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات من مرحلة التطوير إلى مرحلة التطبيق والاستثمار، مع تزايد عدد المنتجات التي تدخل الأسواق، في إطار توجه الصين إلى توسيع منظومتها الصناعية في هذا المجال.

ورغم هذا التقدم، لا تزال الروبوتات الشبيهة بالبشر تواجه تحديات تقنية واقتصادية كبيرة. فرفع دقة الحركة، وتحسين قدرة الإدراك، وزيادة كفاءة البطاريات، وخفض تكاليف الإنتاج، إضافة إلى ضمان معايير السلامة، كلها عوامل ستحدد سرعة انتشار هذه الروبوتات خلال السنوات المقبلة.

كما يبقى التحدي الأكبر مرتبطًا بقدرة هذه الآلات على التعامل مع المواقف غير المتوقعة، إذ إن العمل في البيئات الحقيقية يتطلب مستوى من المرونة والتكيف يتجاوز تنفيذ المهام المحددة مسبقًا.

وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة جديدة، لم يعد التفوق فيها مرتبطًا فقط بامتلاك نماذج رقمية متقدمة، بل بالقدرة على تحويل هذه النماذج إلى آلات تتحرك وتتعلم وتعمل في العالم الحقيقي. ومن خلال الاستثمار في الروبوتات الشبيهة بالبشر والذكاء الاصطناعي المتجسد، تسعى الصين إلى ترسيخ موقعها في سباق قد يعيد تشكيل مستقبل الصناعة وسوق العمل خلال العقود المقبلة.