Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

من التوت البري إلى الزهور… هل تعيد الزراعة الذكية رسم مستقبل اقتصاد أفريقيا؟

هراري ـ إقتصادي.كوم
3 أغسطس 2026 | 05:33 م
حقول توت بري و مصنع ai

تتحول زراعة التوت الأزرق في زيمبابوي إلى نموذج جديد للنمو الاقتصادي، بعدما ارتفعت صادرات البلاد من هذه الفاكهة بشكل كبير بفضل مزارع تعتمد تقنيات متطورة وسلاسل إمداد عالمية، في مؤشر على قدرة الزراعة الحديثة على لعب دور يشبه دور التصنيع في الاقتصادات الأفريقية، بحسب ذي إيكونوميست.

ويتوقع مزارعو زيمبابوي تصدير نحو 12 ألف طن من التوت الأزرق هذا العام، بزيادة 40 مرة مقارنة بعام 2017، مع ارتفاع الطلب في الأسواق الآسيوية والأوروبية. وتعمل المزارع على فرز المحاصيل وتخزينها في منشآت مبردة قبل شحنها إلى كبار المستوردين، فيما يرى العاملون في القطاع أن الإنتاج الحالي لا يزال أقل من حجم الطلب المتاح.

ولا تقتصر التجربة على زيمبابوي، إذ تعكس ما يصفه خبراء بـ”تصنيع المنتجات الطازجة”، حيث أصبحت المزارع الحديثة تعتمد تقنيات متقدمة وتندمج في سلاسل التوريد العالمية، من خلال استخدام البذور المطورة، وأنظمة التخزين الذكية، وآلات الفرز، والتقنيات التي تساعد على تحسين الإنتاجية.

وتأتي هذه التحولات في وقت يواجه فيه قطاع التصنيع في أفريقيا جنوب الصحراء تحديات كبيرة، إذ بقيت مساهمته في الناتج الاقتصادي شبه مستقرة خلال السنوات الـ15 الماضية. ويخشى محللون من أن يؤدي ضعف التصنيع إلى عرقلة مسار النمو، خصوصاً أن نماذج اقتصادية آسيوية اعتمدت على المصانع الموجهة للتصدير.

لكن تطور الزراعة التصديرية يقدم نموذجاً بديلاً، إذ توفر المزارع الحديثة وظائف كثيرة، وترتبط بشبكات لوجستية وتجارية عالمية، كما تخلق صناعات وخدمات مرتبطة بها، ما يمنحها خصائص كانت تُنسب عادة إلى قطاع التصنيع.

وترك تاريخيًا اعتماد العديد من الدول الأفريقية على تصدير محصول واحد أثراً سلبياً على اقتصاداتها، إذ كانت تقلبات الأسعار العالمية تؤدي إلى أزمات اقتصادية حادة. وهذا الإرث دفع حكومات عدة إلى تحويل الموارد من الزراعة نحو بناء المصانع، إلا أن ارتفاع الدخول العالمية وزيادة الطلب على المنتجات الطازجة أعادا الاهتمام بالقطاع الزراعي.

وأظهر تقرير مراقب التجارة الزراعية الأفريقية أن الفواكه والمكسرات أصبحت خلال العقد الأخير أكبر صادرات القارة الزراعية، متجاوزة الكاكاو، فيما تراجعت حصة المحاصيل التقليدية مثل القطن والتبغ والسكر.

ولا تزال أفريقيا متأخرة عن أميركا اللاتينية في صادرات المنتجات الزراعية، إذ تصدر الأخيرة ما يعادل أربعة أضعاف صادرات القارة الأفريقية. لكن تجارب دول مثل بيرو، التي أصبحت خلال عقد واحد أكبر مصدر للتوت الأزرق في العالم، تظهر الإمكانات التي يمكن لأفريقيا الاستفادة منها.

وقال دانيال هالز، رئيس صندوق “أغديفكو” للاستثمار الزراعي، إن التوت الأزرق مثال واضح على تحول الزراعة إلى صناعة عالية التقنية. وتعتمد مزارع زيمبابوي على بذور مطورة من شركات عالمية، وأغطية بلاستيكية لحماية المحاصيل، وغرف تخزين مزودة بأنظمة فرز بصرية، كما تُحدد مواعيد الإنتاج للاستفادة من الفترات التي يقل فيها المعروض العالمي.

وتظهر تجارب مشابهة في قطاعات أخرى، إذ أصبحت كينيا وإثيوبيا من أبرز مصدري الزهور في العالم، وتعتمد مزارعهما على تقنيات مثل الرش الدقيق وتنقية المياه وأنظمة تحسين جودة الإنتاج. كما تضاعفت صادرات أفريقيا من الفواكه الاستوائية، مثل الأفوكادو والمانغو والأناناس، أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الماضي.

وفي أيار/مايو، أصبحت جنوب أفريقيا للمرة الأولى أكبر مصدر للحمضيات في العالم متجاوزة إسبانيا. ويرتبط نجاح القطاع بإلغاء مجالس التسويق الحكومية عام 1997، ما منح المزارعين حرية أكبر في إدارة أرباحهم والاستثمار في الإنتاج، إضافة إلى دور جمعية مزارعي الحمضيات التي تدعم الأبحاث وتحسين السياسات وتبادل الخبرات.

ويرى اقتصاديون أن المزارع الحديثة باتت تحقق فوائد مشابهة لتلك المرتبطة بالتصنيع، إذ تعزز الصادرات، وتوفر فرص العمل، وتدعم ظهور شركات وخدمات جديدة ضمن سلاسل الإمداد. وقال الاقتصادي الزراعي الجنوب أفريقي وانديل سيهلو إن هذه المشاريع أصبحت أعمال تصنيع ولوجستيات متكاملة.

وفي كينيا، توسعت بعض شركات الفواكه الاستوائية إلى إنتاج الوجبات المجففة، ما ساعد على تقليل هدر المحاصيل ورفع إنتاجية المزارعين الصغار. كما تستخدم شركات تصدير الأعشاب والخضار منشآت التخزين المبرد التي أنشئت أساساً لخدمة قطاع الزهور، فيما أدى ازدهار التوت الأزرق في زيمبابوي إلى ظهور تطبيقات زراعية لمراقبة الطقس والإنتاج.

لكن ضعف البنية التحتية لا يزال يشكل تحدياً أمام توسع الصادرات الزراعية الأفريقية، إذ تعيق الطرق السيئة والموانئ المزدحمة وصول المنتجات الطازجة إلى الأسواق في الوقت المناسب. كما يطالب مزارعون بدعم حكومي أكبر لتسهيل عمليات التصدير.

وتفتح الأسواق العالمية فرصاً جديدة أمام المنتجين الأفارقة، بعدما أوقفت الصين في أيار فرض الرسوم الجمركية على معظم الواردات الأفريقية، ووصلت أول شحنات التوت الأزرق من زيمبابوي إلى السوق الصينية في تموز/يوليو. إلا أن العوائق غير الجمركية، مثل معايير سلامة الغذاء والصحة النباتية، لا تزال تمثل تحدياً رئيسياً يحتاج إلى تعاون دبلوماسي وهيئات متخصصة.

وتشير نجاحات التوت الأزرق في زيمبابوي، والزهور في كينيا، والبرتقال في جنوب أفريقيا، إلى أن الزراعة الأفريقية قد تؤدي الدور الذي كان يُتوقع طويلاً أن يلعبه التصنيع في دعم اقتصادات القارة، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعزيز القدرة التنافسية للشركات المحلية في الأسواق العالمية، بحسب ذي إيكونوميست.