مخاوف الذكاء الاصطناعي تتجاوز التقنية إلى العلاقات الاجتماعية والهوية

تحوّل استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مصدر خلافات اجتماعية وشخصية بين مؤيديه ومعارضيه، إذ يرى بعض الرافضين للتقنية أنها تهدد الخصوصية والإبداع البشري والبيئة، بينما يعتبر مستخدموها أنها أداة ضرورية في الحياة والعمل، بحسب وكالة بلومبيرغ.
وتقول مصممة المجوهرات فانيسا واليّلكو، البالغة من العمر 43 عامًا والمقيمة في ولاية إلينوي الأميركية، إنها ترفض استخدام الذكاء الاصطناعي بسبب مخاوفها من طريقة تعامل شركات التقنية مع بيانات المستخدمين وتأثير الأدوات الذكية على التفكير النقدي والإبداع. وأشارت إلى أن موقفها تسبب بتوتر مع بعض أفراد عائلتها وأصدقائها، بعدما أرسل لها أحد أقاربها صورة لجدّيها المتوفيين بعد تحريكها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهو ما اعتبرته استخدامًا غير مقبول للتقنية.
وانتقل الذكاء الاصطناعي خلال فترة قصيرة من تقنية محدودة الاستخدام إلى أداة منتشرة على نطاق واسع، إذ يستخدم نحو نصف البالغين في الولايات المتحدة روبوتات محادثة مثل تشات جي بي تي وجيميني وكوبايلوت، فيما يستخدمها واحد من كل أربعة أشخاص يوميًا، وفق بيانات نشرها مركز بيو للأبحاث في حزيران/يونيو.
ورافق الانتشار السريع للتقنية تصاعد في المخاوف بشأن تأثيراتها الاجتماعية، حيث أظهرت دراسة لجامعة ستانفورد لعام 2025 أن أكثر من نصف المشاركين عالميًا وافقوا على أن المنتجات والخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تثير القلق لديهم، مقارنة بـ39% في عام 2022. كما تفاوتت المواقف بين الدول، إذ عبّر 38% من المشاركين في الولايات المتحدة عن حماسهم تجاه هذه المنتجات، مقابل نسب أعلى في الصين وإندونيسيا.
ويرى باحثون في الأخلاقيات والسلوك التنظيمي أن مواقف الناس من الذكاء الاصطناعي بدأت ترتبط بقيمهم الشخصية، إذ أصبح استخدام التقنية أو رفضها مؤشرًا على الانتماء إلى توجهات معينة. وقال ديريك ليبن، الأستاذ المساعد في تدريس الأخلاقيات في كلية تيبر للأعمال بجامعة كارنيغي ميلون، إن الشك تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي بدأ يظهر في بيئات العمل، حيث يشك بعض الموظفين في أن زملاءهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي سرًا لإنشاء المحتوى.
كما امتد هذا الجدل إلى العلاقات الشخصية، إذ بات بعض الأشخاص يشككون في استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة رسائل البريد الإلكتروني أو النصوص الشخصية مثل عهود الزواج والخطب، وسط أحكام أخلاقية وسياسية مرتبطة بطريقة استخدام التقنية، خصوصًا في المجالات الإبداعية.
ويستند الرافضون للذكاء الاصطناعي إلى مخاوف تتراوح بين تراجع القدرات العقلية وتفاقم التغير المناخي وزيادة عدم المساواة والتحيز. وقالت كارلا ميلان، وهي متخصصة في الصحة العامة في نيويورك، إنها تتجنب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية والبيئة، منتقدة ما وصفته باستخدام التقنية من دون التفكير في آثارها.
وفي قطاع الصناعات الإبداعية، تزداد حدة الانتقادات، إذ يخشى العديد من المصممين والفنانين أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تقويض الإبداع البشري. وأظهرت دراسة أجراها أساتذة من جامعة وارتون أن استخدام تشات جي بي تي قد يحسّن جودة الأفكار الفردية، لكنه يدفع المجموعات إلى إنتاج أفكار أكثر تشابهًا، ما يقلل التنوع الضروري للابتكار.
كما أثارت شركات ومؤسسات كبرى جدلًا جديدًا بعد تشجيع موظفيها على استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن أعمالهم، إذ تعتمد بعض الشركات، بينها أكسنتشر وستاربكس، أنظمة تحفيز تربط الترقيات أو المكافآت باستخدام هذه الأدوات، ما خلق انقسامات بين الموظفين المؤيدين للتقنية والرافضين لها.
ويقول بعض الموظفين إن فرض استخدام الذكاء الاصطناعي يجعلهم يشعرون بأنهم يساهمون في تطوير أدوات قد تهدد وظائفهم مستقبلًا. وقالت موظفة في قطاع المال بنيويورك إن الالتزام باستخدام التقنية يشعرها بأنها تساعد شركتها على تدريب آلات قد تحل محلها في المستقبل، فيما رأى عامل في قطاع التجزئة أن الاستخدام الإجباري للذكاء الاصطناعي يسبب له الإزعاج رغم اعترافه بفائدته في بعض المجالات.
ويعتبر عالم النفس الاجتماعي جيريمي بولاك أن الخلافات حول الذكاء الاصطناعي لا ترتبط غالبًا بقدرات التقنية نفسها، بل بالمعاني الأخلاقية التي يربطها الناس بها، حيث يتحول الاختلاف حول أداة إلى اعتقاد بأن الطرف الآخر لا يشاركهم القيم نفسها.
ومع توسع حضور الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، قد تزداد هذه الانقسامات، إذ أظهر استطلاع أجرته منصة المواعدة هايلي على 3500 شاب أميركي أن نسبة كبيرة من أفراد الجيل زد وجيل الألفية لا يرغبون في الارتباط بأشخاص يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في قراراتهم اليومية.
ورغم استمرار الجدل، يرى بولاك أن التعامل مع الاختلافات حول الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على إقناع الطرف الآخر بقدر ما يعتمد على إدراك أهمية العلاقات وتبني الفضول بدلًا من محاولة فرض المواقف.
أما واليّلكو، فتؤكد أنها لا تتوقع تغيير موقفها قريبًا، قائلة إنها منفتحة على مناقشة الذكاء الاصطناعي والتعلم عنه، لكنها ترى نفسها كشخص مبدع “مؤيد للإنسان”، بينما تعتبر الذكاء الاصطناعي “معاديًا للإنسان” بحسب ما ورد في بلومبيرغ.



