Contact Us
Ektisadi.com
تكنولوجيا

سباق عالمي لتطوير الحوسبة الكمّية يدفع نحو عصر التشفير الجديد

2 أغسطس 2026 | 06:08 ص
رقاقة كمومية ذهبية داخل جهاز في مختبر ai

لم تعد الحوسبة الكمّية مجرد فكرة بحثية تقتصر على المختبرات والجامعات، بل أصبحت محور سباق عالمي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا، في ظل تسارع الإنجازات التقنية والاستثمارات الضخمة التي تقربها من الاستخدام التجاري، وسط تحذيرات من أن قدرتها المستقبلية على كسر بعض أنظمة التشفير الحالية قد تفرض إعادة بناء منظومة الأمن الرقمي العالمية، بحسب تقرير نشرته ذي إيكونوميست.

ويأتي هذا التحول بعد أكثر من ثلاثة عقود على اكتشاف عالم الرياضيات الأميركي بيتر شور خوارزمية أثبتت نظريًا أن الحواسيب الكمّية ستكون قادرة على حل مسائل رياضية معقدة خلال ساعات أو دقائق، بدلًا من مليارات السنين التي قد تحتاجها الحواسيب التقليدية. وفي ذلك الوقت لم يكن هذا الإنجاز قابلًا للتطبيق بسبب عدم وجود حاسوب كمّي عملي، إلا أن التطورات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة أعادت هذه الفرضية إلى واجهة الاهتمام العالمي.

وذكرت ذي إيكونوميست أن الاستثمارات في الشركات الناشئة العاملة في مجال الحوسبة الكمّية بلغت 12.6 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة بلغت ستة أضعاف مقارنة بالعام السابق، فيما أعلنت الحكومة الأميركية استثمار ملياري دولار في تسع شركات متخصصة، في خطوة تعكس احتدام المنافسة الدولية على هذه التكنولوجيا.

كما ارتفعت القيمة السوقية لشركات متخصصة مثل IonQ وRigetti منذ إدراجهما في البورصة، بالتزامن مع استمرار شركات التكنولوجيا الكبرى في ضخ استثمارات كبيرة لتطوير معالجات كمّية أكثر تقدمًا. وأعلنت غوغل أنها نجحت في تنفيذ مهمة باستخدام معالجها الكمّي Willow خلال ساعات، في حين كانت ستحتاج إلى وقت أطول بكثير لو أُجريت بواسطة حاسوب تقليدي فائق، بينما تعمل IBM على تطوير أول حاسوب كمّي قادر على تصحيح أخطائه تلقائيًا بحلول عام 2029.

ورغم الاهتمام المتزايد، يشير التقرير إلى أن الحواسيب الكمّية لا تمثل بديلًا للحواسيب التقليدية في جميع الاستخدامات، إذ إنها تتفوق فقط في أنواع محددة من المسائل الرياضية التي تستفيد من خصائص ميكانيكا الكم، فيما تبقى الحواسيب التقليدية أكثر كفاءة وأقل تكلفة في معظم التطبيقات اليومية.

ويعود هذا التفوق إلى اعتماد الحوسبة الكمّية على وحدات معالجة تعرف باسم “الكيوبت”، تختلف عن البتات المستخدمة في الحواسيب التقليدية، إذ تستطيع تمثيل أكثر من حالة في الوقت نفسه بفضل خاصية التراكب الكمّي، كما تستفيد من ظاهرة التشابك الكمّي التي تسمح بربط الكيوبتات ببعضها بطريقة تتيح معالجة عدد هائل من الاحتمالات بالتوازي، وهو ما يمنحها قدرة استثنائية على التعامل مع بعض العمليات الحسابية المعقدة.

لكن هذه القدرات لا تعني أن الحاسوب الكمّي سيكون أسرع في كل شيء، إذ يؤكد الباحثون أن معظم البرامج اليومية، مثل تصفح الإنترنت أو معالجة النصوص أو تشغيل التطبيقات المعتادة، لن تحقق أي استفادة تُذكر من هذه التقنية، بينما تبرز قيمتها في مجالات محددة مثل فك التشفير، ومحاكاة التفاعلات الكيميائية، وبعض مسائل التحسين الرياضي.

وتعد قضية التشفير أبرز التحديات التي تثيرها الحوسبة الكمّية، إذ تعتمد غالبية أنظمة حماية البيانات والمعاملات المصرفية والاتصالات الإلكترونية على مسائل رياضية يصعب جدًا حلها باستخدام الحواسيب الحالية، إلا أن الحواسيب الكمّية قد تتمكن مستقبلًا من حلها بسرعة كبيرة، ما يهدد البنية الأمنية التي يقوم عليها الإنترنت اليوم.

و لفت التقرير إلى أن التطورات الأخيرة في تقنيات تصحيح الأخطاء دفعت بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن كسر بعض أنظمة التشفير الحالية قد يحتاج إلى عدد أقل من الكيوبتات مقارنة بالتقديرات السابقة، وهو ما دفع الحكومات والهيئات المعنية بالأمن السيبراني إلى تسريع اعتماد معايير تشفير جديدة مقاومة للحوسبة الكمّية، مع توصيات في الولايات المتحدة باستكمال هذا التحول بحلول عام 2035.

وتحذر أجهزة استخبارات غربية منذ سنوات من استراتيجية تعرف باسم “اجمع الآن وفك التشفير لاحقًا”، وتعتمد على اعتراض البيانات المشفرة وتخزينها في الوقت الحالي، على أمل فك تشفيرها مستقبلًا عندما تصبح الحواسيب الكمّية قادرة على تنفيذ هذه المهمة، وهو ما يزيد الضغوط على المؤسسات لتحديث أنظمة الحماية قبل وصول هذه التكنولوجيا إلى مرحلة النضج.

وفي الوقت نفسه، لا تقتصر تطبيقات الحوسبة الكمّية على الأمن السيبراني، إذ يرى العلماء أن أكبر فوائدها قد تظهر في العلوم الطبيعية، خصوصًا في الكيمياء والفيزياء والأحياء، حيث يمكنها محاكاة سلوك الذرات والجزيئات بدقة يصعب على الحواسيب التقليدية تحقيقها، ما قد يختصر سنوات من التجارب المخبرية في تطوير الأدوية والمواد الصناعية والبطاريات وتقنيات الطاقة.

وأشير إلى أن مؤسسات بحثية وشركات متخصصة بدأت بالفعل اختبار تطبيقات عملية، من بينها تطوير نماذج هجينة تجمع بين الحوسبة التقليدية والكمّية لدراسة سلوك أدوية مضادة للسرطان، في خطوة تعكس انتقال هذه التكنولوجيا تدريجيًا من مرحلة الأبحاث النظرية إلى التطبيقات الواقعية.

كما يراهن بعض الباحثين على إمكانات الحوسبة الكمّية في تحسين عمليات إدارة المحافظ الاستثمارية، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه الاستخدامات لا تزال بحاجة إلى إثبات جدواها عمليًا، إذ لم تثبت حتى الآن تفوقًا واضحًا على الحلول التقليدية في معظم الحالات.

ويستمر السباق أيضًا على مستوى التقنيات المستخدمة لبناء الحواسيب الكمّية، إذ تعتمد غوغل وIBM على الدوائر فائقة التوصيل، بينما تراهن شركات أخرى مثل Quantinuum وIonQ على الأيونات المحصورة، وتعمل شركات مثل Pasqal على الذرات المتعادلة، فيما تطور Xanadu تقنيات تعتمد على الفوتونات، وتسعى Intel إلى الاستفادة من الخصائص الكمّية للإلكترونات. ويشير التقرير إلى أن لكل تقنية مزايا وتحديات، ولم تنجح أي منها حتى الآن في فرض نفسها معيارًا نهائيًا للصناعة.

ويعد الوصول إلى حاسوب كمّي “متحمل للأخطاء” الهدف الأكبر الذي يسعى إليه القطاع، إذ إن الكيوبتات شديدة الحساسية لأي تأثير خارجي، ما يؤدي إلى حدوث أخطاء قد تفسد العمليات الحسابية. ولذلك يركز الباحثون على تطوير تقنيات لتصحيح الأخطاء تسمح بإنشاء كيوبتات منطقية أكثر استقرارًا، وهو ما يمثل خطوة أساسية قبل الانتقال إلى الاستخدام التجاري الواسع.

كما أطلقت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأميركية (DARPA) مبادرة لتقييم التقنيات المختلفة وتحديد أيها يمتلك أفضل فرصة لإنتاج حاسوب كمّي ذي استخدام صناعي بحلول عام 2033، في وقت تتزايد فيه الاستثمارات الحكومية والخاصة بوتيرة غير مسبوقة.

وتخلص ذي إيكونوميست إلى أن الحوسبة الكمّية دخلت مرحلة جديدة انتقلت فيها من الوعود النظرية إلى منافسة عالمية على تطوير أول أنظمة عملية قادرة على تغيير قطاعات بأكملها، إلا أن الطريق لا يزال يتطلب تجاوز تحديات تقنية كبيرة، بالتوازي مع استعداد الحكومات والشركات لإعادة بناء أنظمة التشفير الحالية قبل أن تصبح هذه التكنولوجيا قادرة على اختراقها.2