Contact Us
Ektisadi.com
طاقة

أوروبا تراهن على تريليونات الدولارات من الاستثمارات في الطاقة المتجددة

31 يوليو 2026 | 03:56 م
سباق الطاقة الجديدة ai

تسعى أوروبا إلى إعادة بناء قدرتها التنافسية الصناعية من خلال استثمارات ضخمة بقيمة تريليونات الدولارات في الكهرباء المحلية والطاقة المتجددة، بعد سلسلة من أزمات الطاقة التي جعلت تكاليف الكهرباء في القارة من بين الأعلى عالمياً، بحسب رويترز.

وشهدت أوروبا خلال القرن الماضي تحولات متتالية في قطاع الطاقة؛ إذ اعتمد اقتصادها بشكل أساسي على الفحم حتى ستينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى النفط، ثم إلى الطاقة النووية والغاز الطبيعي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهما مصدران لا يزالان يشكلان جزءاً مهماً من مزيج الطاقة الأوروبي حتى اليوم.

لكن أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 دفعت أوروبا إلى نقطة تحول جديدة، بعدما ارتفعت أسعار الكهرباء فيها إلى مستويات تفوق الصين بنحو 50% وتبلغ ضعف الأسعار في الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، نقلت رويترز.

وفي الوقت نفسه، فقدت الصناعات الأوروبية، التي كانت تتمتع بميزة تنافسية بفضل كفاءة التصنيع، جزءاً من موقعها لصالح الصين التي حققت تقدماً سريعاً في الصناعات ذات القيمة العالية. وترى رويترز أن خفض تكاليف الطاقة أصبح ضرورياً للحفاظ على مستقبل الصناعة الأوروبية.

أزمات الطاقة كمحفز للتحول

بعد صدمة النفط عام 1973 الناتجة عن حظر النفط العربي، أطلقت فرنسا «خطة ميسمر» لبناء مجموعة واسعة من المفاعلات النووية، ما أدى إلى تحول جذري في نظام الطاقة الفرنسي وخفض الاعتماد على الفحم المستورد.

وبحلول نهاية ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت الطاقة النووية ركيزة أساسية لسوق الكهرباء الأوروبي، ولا تزال المفاعلات الفرنسية تمثل أحد أبرز نجاحات السياسة الصناعية في القارة، وفقاً لرويترز.

كما ساهم تطور إنتاج النفط والغاز في بحر الشمال بعد أزمة السبعينيات في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي لعقود، بعدما وفّر كميات كبيرة من الموارد وخفّض الاعتماد على الواردات.

لكن بعد وصول إنتاج بحر الشمال إلى ذروته في أواخر التسعينيات، أصبح النموذج الأوروبي يعتمد بشكل متزايد على الوقود الأحفوري الروسي الرخيص. وأدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى انهيار هذا النموذج، ما أجبر أوروبا على البحث عن بدائل مكلفة.

وقفزت أسعار الغاز الأوروبية عشرة أضعاف لتتجاوز 260 يورو (300 دولار) لكل ميغاواط/ساعة في أغسطس (آب) 2022، قبل أن تستبدل القارة عقود الغاز والنفط عبر الأنابيب بواردات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، وكان المصدر الرئيسي الولايات المتحدة، بحسب رويترز.

وأدت أزمة الطاقة إلى تراجع القدرة التنافسية للقطاعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والأسمدة والألمنيوم والصلب والإسمنت والورق، ما ساهم في تباطؤ النمو الصناعي الأوروبي منذ عام 2023.

كما زادت حرب إيران المخاوف بشأن أمن الطاقة، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز عقب الضربات الأميركية-الإسرائيلية في 28 شباط/فبراير إلى فقدان نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، ما أعاد تسليط الضوء على مخاطر الاعتماد على الوقود المستورد.

الطاقة المتجددة تتحول إلى قضية أمن قومي

أدت هذه التطورات إلى تغيير أهداف التحول الأوروبي في مجال الطاقة، إذ لم تعد الطاقة المتجددة مجرد سياسة لمكافحة تغير المناخ، بل أصبحت جزءاً من الأمن القومي والاستراتيجية الصناعية، وفقاً لرويترز.

وكان الاتحاد الأوروبي قد بدأ تعزيز استخدام الطاقة المتجددة عبر أهداف ملزمة عام 2009، ثم أطلق «الصفقة الخضراء» عام 2019، مع التركيز على زيادة طاقة الرياح والطاقة الشمسية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ويهدف الاتحاد الأوروبي إلى رفع حصة الطاقة المتجددة من استهلاك الطاقة من نحو 26% حالياً إلى 42.5% على الأقل بحلول عام 2030. كما كشفت المفوضية الأوروبية الشهر الماضي عن خطة لتحويل أوروبا إلى ما وصفته بـ«القارة الكهربائية الأولى في العالم»، عبر رفع حصة الكهرباء من استهلاك الطاقة النهائي إلى 46% بحلول عام 2040.

وتقدر المفوضية الأوروبية أن التحول الطاقوي يحتاج إلى أكثر من 660 مليار يورو ( 760 مليار دولار )سنوياً حتى عام 2040، إلا أنها ترى أن الاستثمار قد يؤدي إلى توفير نحو 260 مليار يورو (300 مليار دولار)سنوياً من فاتورة واردات الوقود الأحفوري بحلول ذلك الوقت، بحسب رويترز.

كما تشير الجهات الداعمة للتحول إلى أن الطاقة المتجددة ستخلق منظومة صناعية محلية تشمل مزارع الطاقة الشمسية، وشبكات الكهرباء، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، ما يوفر فرص عمل وسلاسل إمداد داخل أوروبا.

الحاجة إلى طاقة رخيصة في عصر الذكاء الاصطناعي

أصبحت الحاجة إلى كهرباء رخيصة ووفيرة أكثر إلحاحاً مع توسع الذكاء الاصطناعي، الذي يتطلب بنية تحتية ضخمة ومراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة.

وتتأخر أوروبا حالياً عن الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، إذ تستحوذ الولايات المتحدة على أكثر من نصف قدرة مراكز البيانات عالمياً، مقابل 30% للصين و12% فقط لأوروبا، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية نقلتها رويترز.

وتشير تقديرات مجموعة Eurasia Group إلى أن أسعار الكهرباء بالجملة في ألمانيا، أكبر اقتصاد صناعي أوروبي، قد تنخفض إلى نحو 60 يورو (نحو 69 دولاراً) لكل ميغاواط/ساعة بحلول نهاية العقد، مقارنة بمتوسط 90 يورو (104 دولارات) عام 2025، إذا توسعت الطاقة المتجددة بوتيرة أسرع من نمو الطلب.

لكن تحقيق هذه التوقعات يظل غير مضمون، في ظل تحديات تشمل تأخر إصدار التصاريح، والمعارضة السياسية، والقيود المالية، والمنافسة العالمية.

مخاطر الاعتماد على الصين

ورغم محاولة أوروبا تقليل اعتمادها على واردات الطاقة، تواجه القارة تحدياً جديداً يتمثل في اعتمادها على الصين في تقنيات الطاقة النظيفة، مثل الألواح الشمسية والبطاريات.

وتحاول بروكسل تعزيز التصنيع المحلي للتقنيات النظيفة عبر مبادرات وحوافز تهدف إلى تغطية 40% على الأقل من احتياجات نشر هذه التقنيات داخل الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، بحسب رويترز.

لكن أوروبا تواجه سباقاً مع الزمن، إذ إن توسع الصين في تصنيع المنتجات المتقدمة، من السيارات الكهربائية إلى الصناعات الكيميائية، قد يؤدي إلى تقليص حصة أوروبا في الأسواق العالمية قبل ظهور فوائد الإصلاحات الطاقوية.

ويرى منتقدون أن التحول الأوروبي يسير ببطء، مشيرين إلى أن الوقود الأحفوري لا يزال يمثل نحو ثلاثة أخماس استهلاك الطاقة في القارة، فيما بقيت حصة الكهرباء من الطلب النهائي مستقرة لأكثر من عقد.

وتخلص رويترز إلى أن نموذج الطاقة الأوروبي القديم وصل إلى نهايته، وأن توفير طاقة وفيرة وآمنة ومنخفضة التكلفة أصبح شرطاً أساسياً للقارة من أجل إعادة التصنيع وتعزيز الرقمنة والحفاظ على قدرتها الاقتصادية.