الفائدة معلّقة والعالم يحبس أنفاسه أمام معركة التضخم

لم يكن قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة اليوم الأربعاء، مجرد خطوة متوقعة في مسار السياسة النقدية، بل كشف عن انقسام داخلي يعكس استمرار القلق من التضخم، في وقت تتجه بنوك مركزية حول العالم إلى مراقبة التطورات الأميركية بدقة، بين دول تفضل الانتظار وأخرى تستعد لمواجهة موجة جديدة من الضغوط السعرية.
وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير ضمن نطاق 3.50% و3.75%، في قرار حظي بتأييد غالبية أعضاء لجنة السوق المفتوحة، لكنه حمل رسالة واضحة بشأن مستقبل السياسة النقدية، بعدما صوّت 9 أعضاء مقابل 3 لصالح تثبيت الفائدة، فيما طالب ثلاثة مسؤولين برفعها بمقدار ربع نقطة مئوية.
وشملت قائمة المعارضين رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس لوري لوغان، الذين اعتبروا أن استمرار الضغوط التضخمية يستوجب مزيداً من التشديد النقدي.
ويعكس هذا الانقسام أن معركة كبح التضخم لم تصل إلى نهايتها داخل البنك المركزي الأميركي، رغم تراجع وتيرة ارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة، إذ لا تزال المخاطر قائمة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، ولا سيما انعكاسات اضطرابات الشرق الأوسط على أسواق النفط.
ويضع القرار رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أمام اختبار دقيق، إذ يحاول تحقيق توازن صعب بين السيطرة على التضخم من جهة، وعدم دفع الاقتصاد نحو تباطؤ حاد من جهة أخرى، في وقت تترقب الأسواق أي إشارات بشأن الخطوة المقبلة للفيدرالي خلال الأشهر القادمة.
لكن المشهد لا يقتصر على الولايات المتحدة، إذ سارعت بنوك مركزية أخرى إلى تثبيت أسعار الفائدة، في محاولة للحفاظ على التوازن بين دعم النمو واحتواء التضخم.
في الخليج، قرر مصرف قطر المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير بعد تقييمه للسياسة النقدية الحالية، حيث حافظ على سعر فائدة الإيداع QCBDR عند 3.85%، وسعر فائدة الإقراض QCBLR عند 4.35%، إضافة إلى تثبيت سعر إعادة الشراء QCB Repo Rate عند 4.10%.
وفي تونس، أبقى البنك المركزي التونسي سعر الفائدة الرئيسي عند 7%، في ظل استمرار مراقبة مسار التضخم. وأشار البنك إلى أن معدل التضخم السنوي بلغ 5.3% في يونيو/حزيران مقارنة بـ 5.5% في مايو/أيار، بينما ارتفع عجز الحساب الجاري خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 4.24 مليارات دينار، ما يعادل 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 1.6% خلال الفترة نفسها من العام السابق.
أما في الإمارات، فقد قرر مصرف الإمارات المركزي الإبقاء على سعر الفائدة على تسهيلات الإيداع لليلة واحدة عند 3.65%، كما ثبت سعر الاقتراض من خلال التسهيلات الائتمانية القائمة عند 50 نقطة أساس فوق سعر الأساس، المرتبط بحركة أسعار الفائدة الأميركية.
وتكشف قرارات هذه البنوك أن السياسة النقدية العالمية لا تزال تتحرك تحت تأثير قرار واحد تقريباً: اتجاه الفيدرالي الأميركي. فمع بقاء التضخم هاجساً مشتركاً، تفضل معظم المصارف المركزية التريث وانتظار المزيد من البيانات، قبل اتخاذ أي خطوات قد تعيد إشعال الأسعار أو تضغط على النمو.
وبينما يرسل تثبيت الفائدة رسالة تهدئة للأسواق، فإن الأصوات الثلاثة داخل الفيدرالي المطالبة برفعها تؤكد أن المعركة لم تُحسم بعد، وأن الأشهر المقبلة ستبقى رهينة تطورات التضخم وأسعار الطاقة ومسار الاقتصاد العالمي.



