حين تتحول أساسيات الحياة إلى عبء يثقل كاهل المواطنين… الغلاء يعيد رسم حياة اللبنانيين


“إذا بعد ما عندي أولاد وهيك الوضع، كيف بدي أمّن مستقبل عيلة؟”
سؤالٌ لم يعد يعبّر عن هواجس شاب في بداية حياته الزوجية فحسب، بل بات يختصر واقعًا يعيشه كثير من اللبنانيين الذين يثقلهم القلق مع كل يوم جديد. فبين راتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ومصاريف تتواصل في الارتفاع، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، والتخلي عن بعض احتياجاتهم، والاكتفاء بما تفرضه الضرورة، في محاولة لتأمين مصاريفهم حتى نهاية الشهر.
ومع كل ارتفاع جديد في أسعار المحروقات، تتسع دائرة هذا الضغط المعيشي، إذ لا تقتصر الزيادات على كلفة الوقود، بل تمتد إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها “ربطة الخبز”، بينما لا تزال الأجور عاجزة عن مواكبة كلفة المعيشة.
ويجسّد صاحب هذه الكلمات، وهو مواطن من ذوي الدخل المحدود في بداية حياته الزوجية، جانبًا من هذا الواقع. وفي حديثٍ خاص لموقع اقتصادي.كوم، أوضح أن سعر “ربطة الخبز” لا يتوقف عند السعر الرسمي داخل الأفران، إذ يصل في بعض المتاجر إلى 90 ألف ليرة لبنانية أي ما يقارب دولارًا أميركيًا واحدًا. وأضاف أنه وزوجته يحاولان التركيز على شراء الأساسيات وسط هذا الواقع، معربًا عن قلقه من المستقبل.
في سياق آخر، ارتفع صباح الجمعة 24 تموز/ يوليو، سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان بمقدار 67 ألف ليرة لبنانية 0.75$ ليصل إلى مليونين و414 ألف ليرة 27$، وفق جدول الأسعار الصادر عن وزارة الطاقة والمياه. كما ارتفع سعر صفيحة المازوت بمقدار 110 آلاف ليرة لبنانية نحو 1.2$ ليبلغ مليونين و209 آلاف ليرة 24.8$، فيما استقر سعر قارورة الغاز.
وبالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات، رفعت وزارة الاقتصاد والتجارة سعر “ربطة الخبز” المتوسطة داخل الأفران إلى 75 ألف ليرة لبنانية أي نحو 0.85$، بزيادة خمسة آلاف ليرة 0.06$عن السعر السابق. وأوضحت الوزارة أن القرار جاء استنادًا إلى آلية التسعير المعتمدة لديها، التي تحتسب كلفة الإنتاج الفعلية، ولا سيما بعد انعكاس ارتفاع أسعار المحروقات على تكاليف الإنتاج والنقل، مؤكدة أنها ستعيد النظر في الأسعار وخفضها فور انخفاض الكلفة.
ولا تقتصر الضغوط المعيشية على أسعار المواد الغذائية فقط، إذ تأتي هذه الزيادات في ظل استمرار الفجوة بين مستوى الدخل وكلفة الاحتياجات اليومية. ويبلغ الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص 28 مليون ليرة لبنانية شهريًا أي ما يقارب 313 دولارًا، في وقت يحاول فيه كثير من اللبنانيين إدارة مصاريفهم الشهرية ضمن إمكانات محدودة وتأمين المتطلبات الأساسية لعائلاتهم.
وأوضح أبو محمد، وهو ربّ أسرة، أن واقع الإنفاق اليومي أصبح أكثر صعوبة من السابق، مشيرًا إلى أن راتبه لم يعد يكفيه حتى نهاية الشهر، على الرغم من أنه يعمل في وظيفتين مختلفتين. وأضاف أن كل شهر يحمل تحديات أكبر من سابقه، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتزايد المصاريف المرتبطة بتأمين احتياجات العائلة. وأكد أن هذا الواقع دفعه إلى الاقتصاد في العديد من النفقات وإعادة ترتيب أولوياته، بهدف الحفاظ على تسيير أمور منزله وتأمين المتطلبات الضرورية لعائلته حتى نهاية الشهر.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع الأسعار على المستهلكين فقط، بل تمتد أيضًا إلى أصحاب المتاجر الذين يواجهون ارتفاعًا في كلفة شراء البضائع ونقلها.
وفي منطقة الناعمة، أوضح صاحب دكان صغير أن ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية انعكس مباشرة على قدرته في تأمين البضاعة للمحل بالكميات المعتادة. وأضاف أن ارتفاع الكلفة دفعه أحيانًا إلى تعديل أسعار بعض المنتجات لمواكبة المصاريف الجديدة، إلا أن ذلك انعكس بدوره على الزبائن الذين أصبحوا أكثر حذرًا في مشترياتهم. ولفت إلى أن بعض المواطنين باتوا يركزون على شراء الحاجات الأساسية فقط، ما أثر على حركة البيع مقارنة بالسابق.
وبين ارتفاع أسعار المحروقات وزيادة كلفة المواد الغذائية، أصبحت تداعيات هذه الزيادات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين. فزيادة كلفة الوقود لا تتوقف عند محطات البنزين، بل تمتد إلى مراحل إنتاج السلع ونقلها، في وقت تحاول فيه الأسر ذات الدخل المحدود التأقلم مع ارتفاع المصاريف عبر إعادة ترتيب أولوياتها وتقليص بعض النفقات.
وفي ظل استمرار الفارق بين مستوى الدخل وكلفة الاحتياجات الأساسية، يبقى تأمين المصاريف الشهرية تحديًا متكررًا بالنسبة إلى كثير من العائلات، فيما يواجه أصحاب الأعمال الصغيرة بدورهم ضغوطًا مرتبطة بارتفاع الكلفة وتراجع قدرة الزبائن على الإنفاق.



