باحثون في ندوة الرابطة العربية: الخوارزميات تصنع "الترند" وتعيد تشكيل السلوك... والهوس الرقمي يهدد التماسك المجتمعي

رابط يوتيوب لمشاهدة الندوة كاملة: https://www.youtube.com/watch?v=RSjOJQPdols
لم يعد "الترند" مجرد قائمة بالموضوعات الأكثر تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وصناعة السلوك، وإعادة توجيه أنماط الاستهلاك والتفاعل الاجتماعي. هذه الخلاصة كانت محور ندوة علمية نظّمتها الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال (AARCS) بعنوان "سوسيولوجيا الهوس الرقمي: جدلية التأثير الإعلامي لظاهرة الترند والتحول السلوكي وأثرهما على التماسك التنموي للمجتمع"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين، وبحضور واسع من أساتذة الجامعات والطلاب والمهتمين بالشأن الإعلامي.
أدار الندوة الأستاذ الدكتور عبدالرحمن محمد الشامي من جامعة قطر، وشارك فيها ثلاث باحثات من لبنان، هن الدكتورة فاديا حسين، والدكتورة إيمان رزق، والدكتورة حنان عزالدين، حيث قدمت كل واحدة منهن مقاربة متخصصة تناولت الظاهرة من منظور الإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع، في محاولة لتفسير التحولات التي فرضها العصر الرقمي على الفرد والمجتمع.
الترند... صناعة إعلامية لا انعكاساً للرأي العام
وافتتحت الدكتورة فاديا حسين الندوة بعرض تناول التأثير الإعلامي لظاهرة "الترند"، مؤكدة أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد انعكاس لاهتمامات الجمهور، بل أصبحت أداة قادرة على توجيه اهتماماته وصياغة أولوياته. وأوضحت أن الخوارزميات التي تدير منصات التواصل تعتمد على سرعة التفاعل، ومعدلات الانتشار، وآليات التغذية الراجعة، وسلوك المستخدمين، لتحديد المحتوى الذي يحظى بانتشار واسع خلال فترة زمنية قصيرة.
وبيّنت أن المنصات الرقمية تمنح المحتوى دفعة إضافية بمجرد دخوله قوائم "الترند"، الأمر الذي يجعل الانتشار لا يرتبط دائماً بقيمة المحتوى، وإنما بقدرته على إثارة المشاعر واستفزاز الفضول أو الغضب أو الصدمة، بما يخدم نموذج الأعمال القائم على إبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة داخل المنصة.
كما تناولت مفهوم "اقتصاد الانتباه"، معتبرة أن المورد الأكثر قيمة في العصر الرقمي لم يعد المعلومات، بل انتباه الإنسان نفسه، الذي تحول إلى سلعة تتنافس عليها المنصات الرقمية وتبيعها للمعلنين، وهو ما يفسر سباقها المستمر لإنتاج محتوى قادر على جذب المستخدمين مهما كانت جودته أو دقته.
وحذرت من تراجع دور المؤسسات الإعلامية التقليدية في ترتيب الأولويات الإخبارية، مقابل صعود ما وصفته بـ"الأجندة الإعلامية الخوارزمية"، حيث أصبحت الخوارزميات تشارك في تحديد ما يراه الجمهور، الأمر الذي أسهم في انتشار ما يعرف بـ"صحافة الترند"، إلى جانب اتساع ظاهرة غرف الصدى وفقاعات الترشيح، بما يزيد من الاستقطاب ويهيئ بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة.
الفومو... الوجه النفسي للهوس الرقمي
وفي المحور الثاني، تناولت الدكتورة إيمان رزق البعد النفسي للهوس الرقمي، من خلال تحليل ظاهرة الخوف من تفويت الفرص (FOMO)، التي وصفتها بأنها واحدة من أبرز الدوافع التي تدفع المستخدمين إلى متابعة المنصات بصورة مستمرة خشية فقدان حدث أو معلومة أو تجربة يعيشها الآخرون.
واستعرضت مجموعة من النظريات النفسية التي تفسر الظاهرة، وفي مقدمتها نظرية تقرير المصير ونظرية المقارنة الاجتماعية، مبينة أن الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي والمقارنة المستمرة بالآخرين تدفع كثيرين إلى الاستخدام القهري لوسائل التواصل الاجتماعي.
كما عرضت نتائج دراسات عربية ودولية أظهرت ارتباطاً واضحاً بين الفومو والإدمان الرقمي، والقلق، والاكتئاب، وضعف تقدير الذات، واضطرابات النوم، إضافة إلى تراجع القدرة على التركيز، وزيادة السلوكيات الاندفاعية، وتأثر العلاقات الأسرية والاجتماعية بسبب الانشغال الدائم بالأجهزة الذكية.
وأكدت أن آثار الفومو لا تقتصر على الصحة النفسية، بل تمتد إلى الحياة المهنية والمالية، حيث يصبح الفرد أكثر عرضة لاتخاذ قرارات متسرعة بدافع الخوف من ضياع الفرص، وهو ما تستثمره المنصات الرقمية عبر الترويج المستمر لما يوصف بـ"الفرصة التي لا تتكرر".
الخوارزميات وصناعة "القطيع الرقمي"
أما الدكتورة حنان عزالدين، فقد تناولت الظاهرة من منظور سوسيولوجي، متسائلة عما إذا كان الإنسان ما يزال يمتلك حرية اتخاذ قراراته في العصر الرقمي، أم أنه أصبح جزءاً من "القطيع الرقمي" الذي تقوده الخوارزميات وتحدد له ما يشاهده وما يستهلكه وما يشتريه.
واعتمدت في تحليلها على نظريات كلاسيكية في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، موضحة أن الضغوط الاجتماعية التي تحدث عنها باحثون مثل سولومون آش وغابرييل تارد وغوستاف لوبون باتت اليوم تمارس بصورة أكثر تعقيداً عبر المنصات الرقمية، من خلال أرقام المشاهدات والإعجابات والتعليقات التي تتحول إلى أدوات ضغط اجتماعي تدفع الأفراد إلى التقليد والامتثال.
كما تناولت العلاقة بين المؤثرين والاقتصاد الرقمي، موضحة أن التسويق لم يعد يقتصر على المنتجات، بل أصبح يروّج لأنماط حياة كاملة، فيما تحولت بعض السلع إلى رموز للمكانة الاجتماعية بفعل الندرة المصطنعة والتضخيم الإعلامي، الأمر الذي يعزز النزعة الاستهلاكية ويحول الاهتمام من الإنتاج والإبداع إلى المحاكاة والاستهلاك.
ورأت أن استمرار هذه الظواهر ينعكس سلباً على التماسك التنموي للمجتمع، من خلال استنزاف الطاقات البشرية، وإضعاف الروابط الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالإنتاج والمعرفة، مقابل تعاظم ثقافة الظهور والاستهلاك.
توصيات لتعزيز المناعة الرقمية
ورغم تشخيصها لمخاطر الهوس الرقمي، خلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات التي تشكل، في مجملها، خريطة طريق لتعزيز الوعي الرقمي وحماية المجتمع من الآثار السلبية للخوارزميات، أبرزها:
تعزيز ثقافة الاستخدام الواعي للتكنولوجيا، وتشجيع فترات "الاستراحة الرقمية" للحد من الاستخدام المفرط للمنصات.
إدراج موضوعات فلسفة التقنية، وسوسيولوجيا الخوارزميات، والتربية الإعلامية والرقمية ضمن المناهج التعليمية، بما يساعد الأجيال الجديدة على فهم آليات عمل المنصات الرقمية والتعامل معها بوعي نقدي.
إعادة الاعتبار للنماذج المجتمعية المنتجة في مجالات البحث والابتكار والعمل التطوعي، بدلاً من حصر القدوة بالمؤثرين وصناع المحتوى الاستهلاكي.
تشجيع بناء العلاقات الاجتماعية الواقعية، وتعزيز الأنشطة الثقافية والتطوعية التي تقلل من العزلة الرقمية.
نشر ثقافة الاستهلاك الواعي، وعدم الانجرار وراء الترندات أو حملات التسويق التي تقوم على الندرة المصطنعة وإثارة الخوف من تفويت الفرص.
تعزيز دور المؤسسات الإعلامية في إنتاج محتوى مهني ومتوازن، وعدم الانجرار خلف "صحافة الترند" على حساب القضايا العامة ذات الأهمية المجتمعية.
دعم الدراسات والبحوث متعددة التخصصات لفهم التحولات التي تفرضها البيئة الرقمية على الإعلام، والصحة النفسية، والسلوك الاجتماعي، بما يساعد صناع القرار على وضع سياسات أكثر فاعلية في مواجهة تحديات العصر الرقمي.
وأكد المشاركون أن الثورة الرقمية، رغم ما تتيحه من فرص هائلة، تفرض في الوقت نفسه تحديات متزايدة على المجتمعات، ما يجعل بناء وعي نقدي بالتكنولوجيا وتعزيز الثقافة الرقمية مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والتربوية، بما يحافظ على الإنسان باعتباره محور التنمية، لا مجرد مستهلك لما تنتجه الخوارزميات.
رابط يوتيوب لمشاهدة الندوة كاملة: https://www.youtube.com/watch?v=RSjOJQPdols




