مصرفيو باريس يواجهون خطر فقدان الإعفاءات الضريبية بعد بريكست

يواجه مصرفيون انتقلوا إلى باريس بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) تساؤلات حول مستقبلهم، مع اقتراب انتهاء الإعفاءات الضريبية التي جذبتهم إلى العاصمة الفرنسية، وسط تصاعد المخاوف السياسية قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، بحسب بلومبيرغ.
وكانت مئات العاملين في القطاع المصرفي قد انتقلت من لندن إلى باريس عقب تصويت بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوروبي، بعدما شجعتهم مؤسساتهم المالية التي نقلت مقارها الأوروبية إلى فرنسا، مستفيدة من نظام ضريبي تفضيلي للموظفين القادمين من الخارج يمتد لمدة تصل إلى 8 سنوات.
أثار انتهاء هذه المزايا تساؤلات لدى بعض المصرفيين حول إمكانية الانتقال مجددًا إلى مراكز مالية أخرى مثل دبي أو ميلانو أو العودة إلى لندن، خصوصًا مع احتمالات ارتفاع الضرائب على دخولهم.
وقال متعامل في بنك أميركي كبير، انتقل من لندن إلى باريس بعد استفتاء بريكست، إنه يجري محادثات مستمرة مع مديره بشأن تعويض الزيادة الضريبية المحتملة أو بحث خيار الانتقال إلى مدينة أخرى، بحسب بلومبيرغ.
كما أشار متعامل في الأسهم لدى بنك فرنسي إلى أنه يستفيد من إعفاء ضريبي حتى عام 2028، لكنه يناقش إمكانية العودة إلى لندن أو الانتقال إلى ميلانو، فيما قال ثلاثة مصرفيين آخرين إنهم مستعدون للمغادرة.
ورغم عدم توقع حدوث موجة خروج جماعية، قال نحو 12 مصرفيًا تحدثوا إلى بلومبيرغ بشرط عدم الكشف عن هوياتهم أن الوضع السياسي أصبح عاملًا أساسيًا في قراراتهم المقبلة، إلى جانب احتمال تراجع دخلهم بعد انتهاء الإعفاءات الضريبية.
وأوضح مصرفيون أن صعود اليمين المتطرف واليسار قبل انتخابات 2027 أصبح جزءًا من حساباتهم، بعدما كان انتهاء البرنامج الضريبي أمرًا متوقعًا منذ البداية.
وتبحث البنوك في الوقت نفسه عن طرق للتخفيف من أثر انتهاء الحوافز الضريبية على موظفيها، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر في سبع مؤسسات مالية.
وقال روبرت زارادير، رئيس وكالة "بونا فيد" للاستشارات الاتصالية للشركات والمديرين التنفيذيين، إن الانتخابات المقبلة ستشهد على الأرجح تركيزًا كبيرًا على فرض ضرائب على الأثرياء، ما قد يؤثر في قرارات المصرفيين بشأن البقاء في باريس.
وأضاف أن احتمال وصول شخصية سياسية من حزب متطرف إلى السلطة قد يزيد التوتر في البلاد، وهو ما قد يدفع بعض الموظفين إلى إعادة النظر في قرار البقاء، خصوصًا مع اقتراب انتهاء مزاياهم الضريبية.
وعندما وصل مصرفيو الاستثمار والمتعاملون إلى باريس بعد بريكست، جذبتهم عوامل عدة، منها الحياة الثقافية النشطة، وتكاليف السكن الأقل مقارنة بلندن، إضافة إلى المدارس متعددة اللغات لأطفالهم.
كما استفادوا من "نظام الوافدين الضريبي"، الذي يسمح للموظفين المنتقلين إلى فرنسا بخفض جزء من دخلهم الخاضع للضريبة بنسبة تصل إلى 50% لمدة 8 سنوات.
وتقدم دول أوروبية أخرى، بينها إيطاليا وهولندا والسويد وإسبانيا، أنظمة ضريبية تفضيلية لجذب العاملين في القطاع المالي وغيرهم من ذوي المهارات العالية.
وتم توسيع برنامج الإعفاءات الفرنسي عام 2017، بعد وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المصرفي السابق في بنك روتشيلد، إلى السلطة. إلا أن المشهد السياسي أصبح أكثر اضطرابًا منذ دعوته المفاجئة إلى انتخابات تشريعية عام 2024، وسط ارتفاع الدين العام وزيادة الضرائب على الشركات الكبرى والأثرياء.
وتتصدر مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، استطلاعات الرأي قبل الانتخابات المقبلة، فيما يرى رؤساء بعض البنوك الأميركية في باريس أن جوردان بارديلا، حليفها السياسي، أكثر توافقًا مع مصالح قطاع الأعمال.
ورغم المخاوف السياسية، لا تزال باريس وجهة جذابة للمصرفيين بفضل وجود عدد كبير من الشركات الفرنسية المرشحة لعمليات اندماج واستحواذ، إضافة إلى توفر كوادر بشرية عالية المهارة.
كما يرى بعض المصرفيين أن الاضطرابات السياسية أصبحت ظاهرة عالمية، في وقت تواجه فيه وجهات بديلة مثل دبي تداعيات التوترات في الشرق الأوسط.
وقال أوليفييه فينيا، الرئيس التنفيذي لجمعية باريس يوروبليس للخدمات المالية، إن البنوك الدولية تراقب مسألة انتهاء الحوافز الضريبية بهدف الاحتفاظ بالمواهب.
وأضاف فينيا أن هناك حاجة ملحّة للحفاظ على جاذبية باريس، محذرًا من أن عواصم أوروبية أخرى ومدنًا في الشرق الأوسط قد تستفيد من انتهاء برنامج "الوافدين" الفرنسي عبر جذب الموظفين المتضررين.
وبحسب أشخاص مطلعين، أجرت الأوساط المالية الفرنسية محادثات مع الإدارة الفرنسية لأشهر بهدف تمديد النظام الضريبي، لكنها لم تسفر عن نتائج، بحسب بلومبيرغ.
وكانت هناك مخاوف من أن يؤدي تسليط الضوء على الملف إلى إلغاء البرنامج بالكامل في ظل المناخ السياسي الحالي.
ويواجه المصرفيون الآن خيارين رئيسيين: البقاء في باريس رغم انخفاض الدخل بعد الضرائب، أو محاولة إقناع أصحاب العمل بتعويض جزء من الخسائر، أو الانتقال إلى مراكز مالية أخرى.
وقد منح بريكست فرنسا فرصة غير مسبوقة لتعزيز موقعها كمركز مالي أوروبي. ووفقًا للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية، وفّر قطاعا المال والتأمين نحو 35 ألف وظيفة في منطقة باريس بين عام 2017 و31 آذار/مارس 2026.
وكان بنك أوف أميركا من أوائل البنوك الأميركية التي نقلت موظفين إلى باريس منذ عام 2018، إذ ارتفع عدد موظفيه هناك من 70 إلى أكثر من 750 موظفًا حاليًا. كما زاد عدد موظفي جي بي مورغان تشيس في باريس إلى نحو ألف موظف مقارنة بـ250 قبل بريكست، بينما ضاعفت بنوك مثل مورغان ستانلي وغولدمان ساكس وسيتي غروب أعداد موظفيها في العاصمة الفرنسية.
ورغم تباطؤ تدفق الموظفين بعد الانتخابات التشريعية عام 2024، لم يتوقف تمامًا، إذ تنقل باركليز حاليًا مقره الأوروبي من دبلن إلى باريس.
وقالت ستيفاني شارتييه، الشريكة في قسم المحاماة لدى كي بي إم جي، إن طلبات الاستشارات من البنوك والشركات المالية بشأن تأثير انتهاء نظام "الوافدين" ازدادت خلال الأشهر الماضية.
وأضافت أن بعض البنوك طلبت إجراء حسابات لتقدير انخفاض الدخل الصافي للموظفين بعد انتهاء الإعفاءات، ومعرفة إمكانية تعويضهم، مشيرة إلى أن معظم البنوك خلصت إلى أن تكلفة التعويض ستكون مرتفعة للغاية.
وترى شارتييه أن انتهاء المزايا الضريبية قد يؤدي إلى تحركات وظيفية جديدة في باريس، خصوصًا أن هذه الامتيازات لا تنتقل بين أصحاب العمل.
وأكدت غالبية مسؤولي البنوك الدولية والفرنسية الذين تحدثوا إلى بلومبيرغ أنهم لا يتوقعون موجة مغادرة واسعة، رغم اعترافهم بحساسية الموضوع لدى السلطات الفرنسية والموظفين الذين لا يستفيدون من النظام الضريبي.
وقالت شركات التوظيف إنها رصدت بالفعل انتقال عدد محدود من المصرفيين والمتعاملين من باريس إلى لندن وميلانو ولوكسمبورغ ودبي، لكن ارتباط الأطفال بالمدارس وبناء الشبكات المهنية في باريس يجعل قرار الانتقال صعبًا بالنسبة للكثيرين.
وأشار جيل إيفالدي، الباحث في الاقتصاد السياسي لليمين المتطرف والأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، إلى أن نظام "الوافدين" كان جزءًا من جهود ماكرون لجعل فرنسا أكثر جاذبية للاستثمارات.
وأضاف أن لوبان تتبنى مواقف مناهضة للرأسمالية وترى في التمويل العالمي "عدوًا رئيسيًا"، ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى العاملين في القطاع المالي.



