مونديال 2026 انتهى بتحقيق المليارات... فيفا بين ازدهار الإيرادات وتصاعد الجدل السياسي

منتخب إسبانيا يحتفل بالفوز بكأس مونديال 2026 في نيويورك، 19 تموز 2026 (فيفا)
اختتمت بطولة كأس العالم 2026 فعالياتها بعدما نجحت في ترسيخ مكانتها بوصفها الحدث الرياضي الأكثر ربحية على مستوى العالم، لتؤكد مرة جديدة أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة رياضية، بل تحولت إلى صناعة اقتصادية عالمية تدر مليارات الدولارات وتستقطب جماهير غير مسبوقة، رغم الجدل السياسي الذي رافق البطولة وألقى بظلاله على نزاهة بعض قرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
ورغم التدخل غير المسبوق للرئيس الأميركي دونالد ترامب في إحدى القضايا الانضباطية التي شهدتها البطولة، فإن كأس العالم تمكن من تجاوز مختلف العقبات التنظيمية والسياسية، لينتهي بتتويج إسبانيا بلقبها العالمي الثاني عقب فوزها على الأرجنتين بهدف دون مقابل بعد التمديد، في وقت خرج فيه "فيفا" بحصيلة مالية وتجارية غير مسبوقة عززت من مكانة البطولة بوصفها المشروع الأكثر ربحية في عالم الرياضة، على ما أوردت بلومبيرغ الاثنين.
فعلى الصعيد المالي، رفع الاتحاد الدولي لكرة القدم توقعاته لإيراداته خلال الدورة المالية الممتدة لأربع سنوات بنحو ملياري دولار إضافيين، وذلك فوق التقديرات السابقة التي بلغت نحو تسعة مليارات دولار، ما يعني أن الإيرادات الإجمالية المتوقعة أصبحت تقارب 11 مليار دولار، في مؤشر واضح على نجاح البطولة في تحقيق أهدافها التجارية وتعزيز مصادر دخل الاتحاد الدولي من مختلف الأنشطة المرتبطة بالمونديال.
كما سجلت البطولة أرقاماً قياسية على مستوى الحضور الجماهيري، إذ استقبلت الملاعب ومناطق المشجعين أكثر من 15 مليون زائر طوال فترة إقامة البطولة، لتصبح النسخة الأعلى حضوراً في تاريخ كأس العالم، وذلك رغم تسجيل أسعار التذاكر مستويات قياسية غير مسبوقة، الأمر الذي يعكس استمرار الطلب الجماهيري الكبير على الحدث الكروي الأكبر عالمياً، حتى مع ارتفاع تكاليف الحضور والمشاركة.
وفي المقابل، لم يمنع هذا النجاح التجاري من بروز انتقادات واسعة لطريقة إدارة الاتحاد الدولي للبطولة، إذ رأى كثيرون أن السعي المتواصل لتعظيم الإيرادات وتعزيز النفوذ السياسي أصبح يطغى على الاعتبارات الرياضية، وهو ما تجسد بصورة خاصة في الجدل الذي أثاره تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قضية اللاعب الأميركي فولارين بالوغون.
وخلال الأدوار الإقصائية، طلب ترامب من رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو إعادة اللاعب إلى المشاركة بعد تعرضه لعقوبة الإيقاف مباراة واحدة نتيجة البطاقة الحمراء التي حصل عليها في مواجهة البوسنة والهرسك، وذلك حتى يتمكن من خوض مباراة الولايات المتحدة أمام بلجيكا في دور الستة عشر. وسرعان ما اتخذت لجنة الانضباط في "فيفا" قراراً غير مسبوق بتجميد تنفيذ العقوبة لمدة عام، وهو ما أتاح للاعب المشاركة رغم اعتراض الاتحاد البلجيكي لكرة القدم، في خطوة أثارت موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك في استقلالية القرار داخل الاتحاد الدولي.
ورغم تأكيد إنفانتينو استقلالية لجنة الانضباط، فإن جماهير واسعة اعتبرت أن القرار يعكس تقارباً متزايداً بين رئيس "فيفا" والإدارة الأميركية، مستشهدة بمبادرات سابقة من بينها استحداث "جائزة فيفا للسلام" ومنحها للرئيس الأميركي، وهو ما دفع منتقدين إلى اعتبار ما جرى امتداداً لاتهامات قديمة تتعلق بالفساد داخل الاتحاد الدولي وباستخدام النفوذ السياسي للتأثير في القرارات الرياضية.
غير أن هذه الخطوة لم تنجح في تغيير المسار الرياضي للمنتخب الأميركي، إذ خرج من البطولة بعد خسارته الثقيلة أمام بلجيكا بأربعة أهداف مقابل هدف واحد، وهو ما حدّ من تأثير الأزمة على البطولة ككل، فيما أقر بالوغون لاحقاً بأن الجدل السياسي الذي رافق القرار شكل عبئاً نفسياً كبيراً على المنتخب الأميركي، بينما أكد مدرب بلجيكا رودي غارسيا أن اللاعب لم يكن مسؤولاً عن الأزمة، معتبراً أن اللوم يجب ألا يوجه إليه شخصياً.
ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي مزجت السياسة بالرياضة خلال البطولة، إذ احتفل ليونيل ميسي وعدد من لاعبي المنتخب الأرجنتيني بالتأهل إلى النهائي عبر رفع لافتة تؤيد مطالبة بلادهم بجزر فوكلاند، ما دفع الحكومة البريطانية إلى المطالبة بفتح تحقيق من قبل الاتحاد الدولي، في حين رفع مدرب المنتخب المصري العلم الفلسطيني عقب الفوز على أستراليا، بينما اشتكى المنتخب الإيراني من اضطراره إلى السفر جواً بين المكسيك والولايات المتحدة قبل كل مباراة بسبب العقوبات الأميركية، وهو ما ألقى أعباءً لوجستية إضافية على الفريق طوال البطولة.
ورغم هذه الإشكالات، بقيت المؤشرات الاقتصادية هي العنوان الأبرز للمونديال، إذ أكد النجاح المالي للبطولة قدرة الاتحاد الدولي على تحويل كل عنصر مرتبط بالمنافسات إلى مصدر دخل جديد، في وقت يواصل فيه دراسة توسيع البطولة مستقبلاً من 48 منتخباً إلى 64 منتخباً في نسخة عام 2030، بعد أن شهدت نسخة 2026 إقامة 104 مباريات امتدت على مدار 39 يوماً. ورغم أن هذا التوسع يثير تساؤلات متزايدة حول الأعباء البدنية الواقعة على اللاعبين، فإنه يفتح في المقابل الباب أمام زيادة العوائد التجارية والتسويقية وحقوق البث والرعاية.
كما أثار الاتحاد الدولي جدلاً واسعاً بعد اعتماده للمرة الأولى نظام التسعير الديناميكي لتذاكر كأس العالم، وهو نظام يقوم على تعديل أسعار التذاكر بصورة تلقائية تبعاً لحجم الطلب والمقاعد المتاحة، ما أدى إلى تسجيل أسعار قياسية، ودفع كثيراً من الجماهير إلى انتقاد ما اعتبروه تغليباً للاعتبارات التجارية على حق المشجعين في حضور المباريات بأسعار معقولة.
وفي إطار تعظيم الإيرادات، لم يقتصر نشاط "فيفا" على بيع حقوق البث والتذاكر، بل امتد إلى استحداث مصادر دخل إضافية من كل تفاصيل الحدث. فقد حصل الاتحاد الدولي على حصة من مبيعات الأطعمة والمشروبات داخل الملاعب، إضافة إلى اقتطاع جزء من عمليات إعادة بيع التذاكر، بل ذهب إلى حد تسويق أجزاء من أرضية الملعب الذي استضاف المباراة النهائية بين الأرجنتين وإسبانيا، إذ عرض قطعة صغيرة محفوظة داخل مادة الراتنج ومرفقة بمجسم بلوري صغير لكأس العالم مقابل ثلاثة آلاف دولار، في خطوة تعكس توجه الاتحاد نحو تحويل كل عنصر مرتبط بالبطولة إلى منتج قابل للبيع وتحقيق العائدات منه.
كما عمل "فيفا" على تأمين مصادر دخل مستقبلية عبر إجراءات تنظيمية أثارت جدلاً واسعاً، من أبرزها اعتماد فترات التوقف الخاصة بشرب المياه خلال المباريات. ورغم تأكيد الاتحاد أن هذه الاستراحات جاءت حفاظاً على سلامة اللاعبين في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي أقيمت خلالها البطولة، فإنها منحت في الوقت نفسه شبكات البث التلفزيوني، وفي مقدمتها شبكة "فوكس" الأميركية، فرصة لبيع مساحات إعلانية إضافية أثناء المباريات، الأمر الذي عزز القيمة التجارية لحقوق النقل التلفزيوني بصورة مباشرة.
وتشير التقديرات إلى أن الإعلان التلفزيوني الواحد لمدة ثلاثين ثانية خلال مباريات كأس العالم يباع بما يتراوح بين 250 ألفاً و750 ألف دولار، بحسب أهمية المباراة والمرحلة التي تقام فيها وحجم الجمهور المتوقع متابعته. ومع تخصيص فترتي توقف لشرب المياه في كل مباراة، أصبحت شبكات البث تمتلك ثماني فترات إعلانية إضافية مدتها ثلاثون ثانية في كل لقاء، أي ما مجموعه 832 مساحة إعلانية جديدة على امتداد البطولة التي ضمت 104 مباريات. ووفق هذه التقديرات، فإن هذه المساحات الإضافية وحدها قد تحقق إيرادات تقارب 500 مليون دولار، وهو مبلغ يمكن أن يغطي أكثر من نصف القيمة التي دفعتها شبكة "فوكس" للحصول على حقوق بث البطولة، كما يعزز في المقابل قدرة "فيفا" على المطالبة بعوائد أكبر عند بيع حقوق بث كأس العالم 2030، التي بدأ الاتحاد الدولي بالفعل تسويقها بصورة هادئة قبل سنوات من انطلاق البطولة.
هذا النجاح التجاري انعكس أيضاً في تقييم المؤسسات الإعلامية المالكة لحقوق البث. فقد أكد رئيس مجموعة NBCUniversal News Group، سيزار كوندي، التي حصلت على حقوق البث باللغة الإسبانية في الولايات المتحدة، أن حجم الإقبال الجماهيري تجاوز حتى أكثر التوقعات تفاؤلاً، مشيراً إلى أن المؤسسة كانت تتوقع نجاحاً كبيراً، لكنها لم تتخيل أن يصل مستوى الحماس الجماهيري في السوق الأميركية إلى هذه الدرجة، وهو ما يعكس اتساع القيمة الاقتصادية للبطولة داخل واحدة من أكبر الأسواق الإعلانية في العالم.
ويرى التقرير أن هذا التدفق المتزايد للإيرادات يقلل من دوافع الاتحاد الدولي لإجراء مراجعات جوهرية لمسار البطولة، رغم تصاعد اعتراضات اللاعبين والجماهير. فكل توسع جديد في عدد المنتخبات أو المباريات يعني زيادة في حقوق البث والرعاية والإعلانات والتذاكر، وبالتالي زيادة في الإيرادات التي يحصل عليها الاتحاد وأعضاؤه. ومن هذا المنطلق، فإن فكرة توسيع البطولة إلى 64 منتخباً في نسخة 2030، رغم ما تفرضه من تحديات تنظيمية ولوجستية كبيرة في بطولة ستقام عبر ست دول مضيفة، تمثل في الوقت نفسه فرصة لتحقيق مكاسب مالية أكبر لجميع الأطراف، وهو ما يعزز أيضاً موقع رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو داخل المنظمة.
وتبرز أهمية هذه الإيرادات في ضوء طبيعة النظام الانتخابي داخل الاتحاد الدولي، إذ يمتلك كل اتحاد وطني من الاتحادات الأعضاء، وعددها 211 اتحاداً، صوتاً واحداً في الانتخابات والقرارات المصيرية، بما في ذلك انتخاب رئيس "فيفا". وخلال السنوات الثلاث الماضية، وزع الاتحاد الدولي نحو 2.25 مليار دولار على الاتحادات الأعضاء، ما جعل عائدات المشاركة والتأهل إلى كأس العالم تمثل مورداً مالياً بالغ الأهمية بالنسبة للدول الصغيرة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الأموال لتطوير بنيتها الكروية.
ويقدم التقرير نموذج الرأس الأخضر مثالاً واضحاً على ذلك، إذ حصل الاتحاد المحلي على نحو 12 مليون دولار نتيجة مشاركته في البطولة، وهو مبلغ يمثل دفعة مالية كبيرة لدولة يبلغ عدد سكانها نحو 530 ألف نسمة ولا تمتلك حتى ملعباً واحداً من العشب الطبيعي، ما يوضح كيف أصبحت عائدات كأس العالم أداة تمويل رئيسية لتطوير كرة القدم في الاقتصادات الصغيرة والناشئة.
وفي هذا السياق، دافع إنفانتينو عن استراتيجية الاتحاد الرامية إلى تعظيم الإيرادات، مؤكداً أن "فيفا" يحتاج إلى توليد المزيد من الأموال، لأن نحو 80% من دول العالم لن تتمكن من تطوير كرة القدم إذا لم تتوفر لها الاستثمارات اللازمة. وأضاف أن تركيز الموارد في عدد محدود من الدول الكبرى سيؤدي إلى استمرار الفجوة الحالية، بينما يتيح توسيع الإيرادات إعادة توزيعها بصورة أوسع بين الاتحادات الوطنية. كما أعلن الاتحاد، عشية المباراة النهائية، أن أكثر من 200 اتحاد عضو أعربت عن دعمها لإعادة انتخاب إنفانتينو خلال الانتخابات المقررة في مارس/آذار 2027.
أما على المستوى التقني، فيرى التقرير أن "فيفا" لا ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها مجرد وسيلة لتحسين التحكيم، وإنما باعتبارها قطاعاً اقتصادياً جديداً قادراً على تحقيق إيرادات إضافية. فقد أثار إلغاء هدف للمنتخب الكرواتي أمام البرتغال باستخدام مستشعر داخل الكرة اكتشف لمسة دقيقة للغاية من رأس أو شعر أحد اللاعبين موجة من الانتقادات، إذ اعتبر المنتخب الكرواتي أن ما جرى يمثل "إساءة لاستخدام التكنولوجيا"، بينما رأى منتقدون أن التقنيات الحديثة بدأت تؤثر سلباً في روح اللعبة. غير أن الاتحاد الدولي تعامل مع هذه التطورات من زاوية مختلفة، إذ اعتبرها فرصة تجارية ضمن استراتيجيته للتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية، بعدما نجح في جمع أكثر من 150 مليون نقطة بيانات خلال كل مباراة، ويعمل حالياً على دراسة أفضل السبل لتسويق هذه البيانات وتحويلها إلى مصدر دخل جديد. وفي هذا الإطار، أكد المدير التجاري لـ"فيفا"، رومي غاي، أن الإمكانات التجارية لهذه البيانات "كبيرة للغاية"، بما يعكس انتقال الاتحاد الدولي من مجرد منظم للمسابقات إلى مؤسسة تبني نماذج أعمال جديدة تعتمد على البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى جانب حقوق البث والرعاية التقليدية.




