Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

من الدبلوماسية إلى إعادة الإعمار... زيارة ماكرون التاريخية تفتح الباب أمام شراكة اقتصادية فرنسية ـ سورية جديدة

6 يوليو 2026 | 06:31 م
وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني مستقبلاً ماكرون في مطار دمشق، 6 تموز 2026 (سانا)

وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني مستقبلاً ماكرون في مطار دمشق، 6 تموز 2026 (سانا)

لا تبدو زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي بدأها إلى سوريا اليوم الاثنين، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ عام 2009، مجرد محطة دبلوماسية أو خطوة سياسية لتكريس الانفتاح الغربي على دمشق، بل تؤشر إلى انتقال العلاقات السورية ـ الفرنسية إلى مرحلة جديدة تقوم على الشراكة الاقتصادية وإعادة الإعمار والتعاون الاستثماري طويل الأمد.

وبينما لا تزال الملفات السياسية والأمنية حاضرة على جدول الأعمال، فإن الرسالة الأبرز التي تحملها الزيارة تتمثل في سعي فرنسا إلى حجز موقع متقدم لها في عملية إعادة بناء سوريا، في وقت تعمل فيه دمشق على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وإعادة دمج اقتصادها في المنظومة الدولية.

البنية التحتية والقطاع المالي في صدارة الاهتمام

وفي مقابلة بثتها، الأحد، قناة BFMTV الفرنسية، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن فرنسا كانت "من أصدقاء الشعب السوري منذ أيام الثورة التي قمعها النظام البائد"، مشيراً إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تواصل مع القيادة السورية الجديدة منذ مرحلة التحرير، وأن باريس لعبت "دوراً بنّاءً في إلغاء العقوبات عن سوريا". ووصف الشرع زيارة ماكرون بأنها "تطور مهم في العلاقة بين البلدين"، مؤكداً أن فرنسا أسهمت في انفتاح سوريا على المجتمع الدولي خلال المرحلة الماضية، وأن العلاقات الثنائية تدخل اليوم مرحلة جديدة من التعاون والشراكة.

كما كشف الرئيس السوري بوضوح عن الأولويات الاقتصادية للتعاون المرتقب، قائلاً إن "فرنسا ستعمل في البنية التحتية والقطاع المالي، وهناك الكثير من القطاعات التي تستطيع فرنسا العمل بها"، في إشارة إلى أن باريس مرشحة لتكون أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لسوريا في مرحلة ما بعد الحرب. وأضاف الشرع أن "هناك اتفاقيات ستوقع خلال زيارة الرئيس ماكرون"، موضحاً أن عملية إعادة بناء الدولة لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل تشمل أيضاً تمكين مؤسسات الدولة وإعادة تأهيل البنى الاقتصادية والإدارية.

وتشكل هذه التصريحات أقوى مؤشر حتى الآن إلى أن الزيارة تتجاوز بعدها السياسي، لتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى أن كلفة إعادة إعمار سوريا قد تتجاوز 400 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

لماذا تسارع فرنسا إلى سوريا؟

من منظار باريس، فإن العودة المبكرة إلى السوق السورية تمثل فرصة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد. فبعد سنوات من الحرب والعزلة الدولية، تدخل سوريا اليوم مرحلة إعادة الإعمار، وتسعى إلى استقطاب الدول والشركات التي تمتلك الخبرات والتقنيات اللازمة لإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها.

وقد أكد الشرع أن سوريا "تجاوزت الكثير من العقبات" خلال الأشهر الأخيرة، وأنها أقامت "علاقات ممتازة مع العديد من الدول"، مشدداً على أن فرنسا كان لها دور أساسي في هذا الانفتاح. وأضاف أن سوريا "تشهد اليوم مرحلة إعادة الإعمار، ويوجد فيها الكثير من المقومات، وهي بحاجة إلى الدول المتقدمة في التقنيات، وفرنسا من الدول الأكثر تطوراً في هذا المجال".

وتنسجم هذه الرؤية مع المصالح الاقتصادية الفرنسية، إذ تمتلك الشركات الفرنسية خبرات واسعة في قطاعات البنى التحتية والطاقة والنقل والخدمات المالية والاتصالات والمياه والصحة والتعليم.

الطاقة والنقل والتمويل... الأسواق الأكثر جاذبية

وتبدو عدة قطاعات مرشحة لاستقطاب الاستثمارات الفرنسية خلال المرحلة المقبلة. ففي قطاع الطاقة، قد تستعيد الشركات الفرنسية حضورها التاريخي في مشاريع النفط والغاز والطاقة المتجددة، فيما يتوقع أن يشكل قطاع النقل والخدمات اللوجستية مجالاً واعداً للشركات الفرنسية المتخصصة في تشغيل المرافئ وشبكات النقل والسكك الحديدية.

أما القطاع المالي، الذي أشار إليه الشرع بصورة مباشرة، فيمثل أحد أهم مجالات التعاون المحتملة، نظراً إلى الحاجة السورية الملحة لإعادة بناء النظام المصرفي، وتطوير الخدمات المالية، وإعادة فتح قنوات التمويل والتأمين والاستثمار، وهي شروط أساسية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.

كما تبرز فرص استثمارية كبيرة في مجالات الاتصالات، وإدارة المياه، والنفايات، والرعاية الصحية، والتعليم العالي، وتطوير الإدارة العامة.

إعادة بناء الدولة لا تقتصر على الحجر

وشدد الشرع على أن عملية إعادة البناء لا تقتصر على إعادة تشييد البنية التحتية، بل تشمل أيضاً إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز كفاءتها. وفي هذا السياق، سعى الرئيس السوري إلى طمأنة الشركاء الدوليين بشأن البيئة الاستثمارية المستقبلية، مشيراً إلى أن "النظام البائد كان نشطاً في صناعة وتجارة المخدرات"، وأن السلطات السورية الجديدة "فككت شبكات صناعة وتجارة المخدرات منذ دخولها إلى دمشق"، في رسالة تستهدف تعزيز الثقة الدولية بمؤسسات الدولة الجديدة.

ما بعد زيارة ماكرون دمشق

قد لا تُختصر أهمية زيارة ماكرون التاريخية إلى سوريا في بعدها السياسي فحسب، بل ربما تكمن أهميتها الحقيقية في أنها تؤسس لشراكة اقتصادية جديدة بين دمشق وباريس. فبالنسبة إلى سوريا، تمثل فرنسا بوابة محتملة للعودة إلى الاقتصاد العالمي والحصول على التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات اللازمة لإعادة الإعمار. أما بالنسبة إلى فرنسا، فإن الانخراط المبكر في السوق السورية يمنحها فرصة استراتيجية لحجز موقع متقدم في واحدة من أكبر عمليات إعادة البناء والاستثمار المحتملة في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.

وإذا ما تُرجمت الاتفاقيات المنتظرة إلى مشاريع فعلية، فقد تتحول زيارة ماكرون إلى دمشق إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من النفوذ الاقتصادي الفرنسي في سوريا، تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية نحو شراكة طويلة الأمد تقوم على الاستثمار وإعادة البناء والتنمية.