معركة الذكاء الاصطناعي: اتهامات أميركية لشركات صينية "بالتقطير غير المشروع" وسرقة المليارات

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تحديات خطيرة بسبب اتهامات لشركات صينية باستخدام تقنية "تقطير الذكاء الاصطناعي" بشكل غير مشروع، مما يهدد استثماراتها الهائلة في تطوير النماذج المتطورة.
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي العالمي سباقاً محموماً، حيث تستثمر الشركات الأميركية الرائدة مئات المليارات من الدولارات لتطوير نماذج لغوية كبيرة وروبوتات محادثة متطورة. إلا أن هذه الاستثمارات الضخمة باتت مهددة، وفقاً لاتهامات متزايدة، بسبب تقنية تُعرف باسم "تقطير الذكاء الاصطناعي" (AI Distillation)، والتي يزعم مطورو الذكاء الاصطناعي الأميركيون أن منافسين صينيين يستخدمونها بشكل غير مشروع لإنشاء أنظمة منافسة بتكاليف زهيدة وبمعايير أمان أقل صرامة.
ففي الوقت الذي تُعد فيه عملية التقطير أسلوباً مشروعاً ومقبولاً لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي – حيث تُستخدم مخرجات نموذج "معلم" كبير لتدريب نموذج "طالب" أصغر على محاكاة قدراته، مما يجعله أكثر كفاءة وملاءمة لمهام محددة بأقل موارد حاسوبية – فإن الجدل يشتد حول استخدام هذه التقنية دون إذن. ويتحول الأمر إلى مصدر قلق بالغ عندما تستخدم أطراف ثالثة التقطير لنسخ قدرات نماذج مملوكة للغير دون ترخيص من مالكيها الأصليين.
لقد صعدت شركات أميركية بارزة مثل "أنثروبيك بي بي سي" و"أوبن إيه آي" من لهجة اتهاماتها ضد مختبرات ذكاء اصطناعي صينية، من بينها "علي بابا غروب هولدينغ"، و"ديب سيك"، و"ميني ماكس". ففي شهر يونيو، أشارت "أنثروبيك" إلى أن "علي بابا" استغلت نموذجها "كلود" بشكل "غير مشروع" وعبر تقنية التقطير على نطاق صناعي بهدف تطوير نظام ذكاء اصطناعي خاص بها. وتتسبب هذه الممارسات، بحسب الشركات الأميركية، في إهدار الاستثمارات الضخمة التي وضعتها في تطوير بنيتها التحتية ومراكز البيانات.
تثار مخاوف اقتصادية وجنائية كبيرة جراء هذه الممارسات. فالشركات الأميركية تعتمد على نماذج مملوكة تتطلب من العملاء دفع ثمن الوصول إليها لتعويض مئات المليارات التي أنفقتها على البحث والتطوير. وفي المقابل، يرى الأميركيون أن بعض المختبرات الصينية، مثل "ديب سيك"، توفر نماذج "مفتوحة الأوزان" يمكن تنزيل أجزاء من نظامها وتشغيلها بحرية. ويقدر مسؤولون أميركيون أن التقطير غير المصرح به يكلف الشركات الأميركية مليارات الدولارات سنوياً من الدخل المحتمل.
علاوة على التداعيات الاقتصادية، تبرز تحذيرات من مخاطر أمنية جمة. فالشركات الأميركية تخشى أن تُستخدم النماذج المستخلصة بشكل غير قانوني، والتي قد تفتقر إلى الضوابط الوقائية الأساسية، من قِبل جهات معادية لأغراض خطيرة. وتشمل هذه الأغراض تطوير مسببات أمراض فتاكة أو شن هجمات قرصنة إلكترونية آلية واسعة النطاق، مما يثير مخاوف جدية على الأمن القومي والدولي.
رغم صعوبة إثبات التقطير بشكل قاطع، حيث غالبًا ما تكون الأدلة ظرفية، فإن شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية تقوم بجهود حثيثة لكشف هذه الممارسات. فوفقاً لتقرير بلومبيرغ نيوز، صرحت "أنثروبيك" في فبراير بأن مطورين صينيين قاموا "باستخلاص غير قانوني" لنتائج من نماذجها عبر أكثر من 16 مليون تفاعل باستخدام حسابات احتيالية، وتم تحديد هؤلاء بناءً على عناوين بروتوكول الإنترنت والبيانات الوصفية. كما أشارت الشركة إلى أن شركاءها في الصناعة لاحظوا نفس السلوكيات على منصاتهم.
في سبيل مواجهة ما تصفه الشركات الأميركية بـ "هجمات التقطير"، يتم اتخاذ خطوات على مستويات متعددة. تعكف الشركات الرائدة على تعزيز تبادل المعلومات حول الاستخلاص غير المصرح به لمخرجات نماذجها، وتعمل على حظر المستخدمين المشتبه بهم من الوصول إلى أنظمتها. وعلى الصعيد الحكومي، أبدى المسؤولون في واشنطن اهتماماً بهذه المخاوف؛ فقد أشار البيت الأبيض في نيسان/أبريل إلى سعيه للتعاون مع الصناعة لوضع ضوابط للتقطير ومحاسبة الجهات المسيئة. كما دعا جمهوريون في مجلس النواب إلى فرض عقوبات أميركية على الكيانات الصينية المتورطة في هذه الممارسات على نطاق صناعي لبناء أنظمة منافسة.



