مرونة سوق الألومنيوم العالمي: كيف تفادت الممرات السرية والإنتاج الآسيوي صدمة الحرب

تجاوز سوق الألومنيوم العالمي صدمة حرب إيران بفضل الحلول اللوجستية المبتكرة من مصاهر الشرق الأوسط وزيادة الإنتاج من الصين وإندونيسيا. هذه الجهود حالت دون ارتفاع كارثي في الأسعار، مع استعادة واردات المواد الخام وعمليات "العبور المظلم" عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، لا يزال المحللون يختلفون حول التوقعات المستقبلية للأسعار، مع ترقب استنزاف المخزونات المخفية وتأثير التحديات التنظيمية في الصين والفرص الجديدة في إندونيسيا.
شهد سوق الألومنيوم العالمي مرونة غير متوقعة في مواجهة التحديات الكبيرة التي فرضها الصراع في إيران. فبينما كان الخبراء يتوقعون ارتفاعاً جنونياً في الأسعار ونقصاً حاداً في المعروض، نجحت عمليات لوجستية معقدة ومبتكرة، بالإضافة إلى زيادة ملحوظة في الإنتاج من آسيا، في تخفيف وطأة الصدمة والحفاظ على استقرار الأسعار نسبياً.
في بداية النزاع، تصاعدت المخاوف بشأن إغلاق مضيق هرمز، الممر الملاحي الحيوي، مما كان سيهدد بانقطاع إمدادات المواد الخام للمصاهر في غضون أسابيع قليلة. حذرت التوقعات من توقف واسع النطاق للعمليات وارتفاع أسعار الألومنيوم إلى مستويات قياسية تتجاوز 4000 دولار للطن. وقد زادت هذه المخاوف بشكل كبير إثر الهجمات الصاروخية التي استهدفت المصاهر في المنطقة، مما جعل الألومنيوم يُصنف كأحد أكثر السلع الأساسية تضرراً بعد النفط والغاز، حسب بلومبيرغ الأحد.
لكن الابتكار اللوجستي لمصاهر الشرق الأوسط أثبت قدرته على قلب التوقعات. فقد نفذت هذه المصاهر سلسلة من العمليات المعقدة، بما في ذلك رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر عبر المضيق، أُطلق عليها اسم "العبور المظلم"، لإعادة تزويد احتياطياتها من الألومينا وغيرها من المواد الخام الأساسية. بالإضافة إلى ذلك، تم تفريغ كميات كبيرة من الألومينا في موانئ عُمان ونقلها براً إلى المصاهر بالشاحنات، مما أظهر قدرة لوجستية إقليمية فائقة. وبفضل هذه الجهود، عادت واردات المواد الخام إلى مستوياتها قبل الحرب في مايو، بحسب بيانات شركة "كيبلر"، وهو ما جنب المنطقة التي تنتج ما يقرب من 10% من الإمدادات العالمية إغلاقات واسعة النطاق.
إلى جانب جهود الشرق الأوسط، لعبت المصاهر في آسيا دوراً حيوياً في استقرار السوق. فقد ساهمت الزيادة في الإنتاج والصادرات من الصين وإندونيسيا بشكل كبير في تلبية الطلب العالمي، ومنحت المشترين مرونة أكبر حتى تتعافى إمدادات الشرق الأوسط. علقت أميليا شياو فو، رئيسة استراتيجية السلع في بنك أوف تشاينا إنترناشيونال، على هذا التضافر بقولها، "لقد تم تجنب تجميد كامل للإمدادات المادية بفضل مزيج من إعادة توجيه واردات الألومينا للشرق الأوسط، وزيادة الصادرات الصينية، وارتفاع الإنتاج الإندونيسي." وأضافت أن هذه "الوسادات التشغيلية" قد انخفضت بعد استنفاد المخزونات لعدة أشهر.
ومع أن السوق تمكن من تجاوز الأزمة الفورية، فإن التحديات لا تزال قائمة، وخصوصاً فيما يتعلق بالصين. قبل الصراع، كان هناك تفاؤل بأن المصاهر الصينية ستبدأ في الالتزام بسقف إنتاج تنظيمي يبلغ 45 مليون طن، مما كان سيضع حداً لعصر طويل من الإفراط في العرض. إلا أن الإحصاءات الرسمية منذ بداية الحرب تشير إلى أن المصاهر الصينية تنتج بأريحية فوق هذا السقف، حيث وصلت الأرقام في أبريل إلى معدل سنوي قدره 47 مليون طن. وهذا يدفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن الصين قد تتمكن من حل النقص العالمي بمفردها إذا استمرت مصانعها في العمل بكامل طاقتها، إلا أن التساؤل يبقى حول مدى صرامة تطبيق الحكومة الصينية للقيود.
أما إندونيسيا، فتمثل عاملاً حاسماً في معادلة العرض المستقبلي. فقد لفتت الزيادة في صادرات الألومنيوم الإندونيسية الأنظار إلى دورها المتنامي كمورد عالمي رئيسي. ومن المتوقع أن يتم تحويل الطاقة الشحيحة في البلاد من عمليات إنتاج النيكل الأقل ربحية إلى مصانع الألومنيوم، مما قد يسرع وتيرة وصول إمدادات جديدة إلى السوق. وتوضح آيمي غاور، رئيسة استراتيجية المعادن والتعدين في مورغان ستانلي، أن "المخاطر الآن، مع إعادة تخصيص الطاقة من النيكل، هي أن العرض الجديد قد يأتي بشكل أسرع."
بالنظر إلى هذه العوامل، تتفاوت التوقعات بين المحللين بشأن مسار الأسعار والتعافي المستقبلي للسوق. فبينما قلص بعض كبار المتفائلين في السوق توقعاتهم، مثل جيه بي مورغان تشيس وشركاه الذي يرى أن الوصول إلى 4000 دولار للطن يستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً بسبب استجابة العرض القوية في آسيا واستنزاف المخزونات المخفية، يتوقع آخرون، مثل غولدمان ساكس، أن تتجه الأسعار نحو 3000 دولار للطن خلال العام المقبل. وفي الوقت الحالي، تتداول العقود الآجلة في لندن حول 3400 دولار.
ويختلف المحللون أيضاً بشكل كبير حول توازن العرض والطلب الأساسي. تتوقع سيتي غروب أكبر صدمة في الإمدادات منذ أكثر من 50 عاماً، بينما يتوقع بنك أوف أميركا توازناً تقريباً في السوق البالغ حجمه 76 مليون طن. هذه التباينات تعكس جزئياً اعتقاداً بأن نقص المواد الخام قد تسبب في خسائر أكبر لإمدادات مصاهر الخليج مما أعلن عنه علناً. ومع ذلك، تشير تدفقات الألومينا المتزايدة إلى المنطقة، بحسب بن آير من شركة "كيبلر"، إلى أن المصاهر أحرزت تقدماً في تجديد احتياطياتها حتى مع إغلاق هرمز. ويرى غريغ شيرر، رئيس أبحاث المعادن الأساسية والثمينة في البنك، أن السوق "ضيق هناك"، ولكن المخزونات غير المرئية هي الملاذ الأول، وتوقع أن "مجرد مسألة وقت حتى تستنفد هذه الاحتياطيات وتبدأ مخزونات البورصات في الانخفاض أيضاً، مما يدفع الأسعار إلى الارتفاع."
بشكل عام، تشكل العودة التدريجية للإمدادات من الشرق الأوسط، والإنتاج المرتفع في الصين، والزيادة المتوقعة في الإنتاج الإندونيسي، إجماعاً في الصناعة على أن الأسعار ستتجه نحو الانخفاض على المدى الطويل. ومع ذلك، لا يزال النقاش محتدماً حول ما إذا كان السوق سيواجه ضغطاً نهائياً مع نفاد المخزونات قبل وصول الإمدادات الجديدة، خاصة مع استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع بشكل دائم.




