Contact Us
Ektisadi.com
أسواق

سوق "شولداشاين" الألماني: ملاذ آمن يتحول إلى تحدٍ مع تصاعد أزمات إعادة الهيكلة

20 يونيو 2026 | 06:29 ص
Germany's Unique Schuldschein Market Under Strain as Unanimous Creditor Rule Stalls Restructurings

يواجه سوق "شولداشاين"، وهو أداة دين حيوية لتمويل الشركات المتوسطة في ألمانيا والنمسا، تحديات متزايدة بسبب قاعدته التي تتطلب إجماع الدائنين على أي تعديلات، إضافة إلى غياب كيان يمثل المقرضين. وقد أدت هذه الثغرات الهيكلية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، إلى تعقيد عمليات إعادة هيكلة الديون، مما يثير قلقاً واسعاً بين المستثمرين ويهدد استقرار العديد من الشركات. ومع تصاعد حالات التعثر، باتت الحاجة ماسة لإيجاد حلول جذرية لمعالجة نقاط الضعف في هذا النموذج التمويلي التقليدي.

لطالما شكلت سندات الدين "شولداشاين" (Schuldschein) شرياناً حيوياً للتمويل في ألمانيا والنمسا، خاصة للشركات المتوسطة والصغيرة المعروفة بـ"ميتلستاند" (Mittelstand). هذه الأداة المالية، التي اعتُبرت تقليدياً ملاذاً آمناً للمستثمرين، تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، تهدد استقرارها ومستقبل العديد من الشركات في المنطقة. يعود السبب الرئيسي لذلك إلى خاصية فريدة وغير مرنة تتطلب إجماع الدائنين للموافقة على أي تعديلات في شروط الدين، بالإضافة إلى غياب كيان مركزي يمثل مصالح المقرضين.

الضغوط الاقتصادية المتزايدة، مثل ارتفاع أسعار الطاقة والمنافسة الشديدة، كشفت بوضوح عن نقاط الضعف الكامنة في نموذج "شولداشاين". فمع تعثر بعض الشركات الصناعية العائلية، التي كانت سابقاً العمود الفقري للاقتصاد، باتت الحاجة إلى إعادة هيكلة الديون أكثر إلحاحاً. لكن آلية الإجماع هذه، التي تتطلب موافقة جميع الدائنين، حتى لو كانوا قلة، على أي تغيير، تعرقل هذه الجهود وتدفع الشركات نحو خطر الإفلاس.

ولعل المشهد الذي شهدته شركة تصنيع الدراجات النارية النمساوية "كيه تي إم إيه جي" (KTM AG) يقدم دليلاً حياً على هذه الصعوبات. فبعد أن قدمت الشركة خطة إفلاس لدائنيها العام الماضي، عُقد مؤتمر عبر الفيديو لمناقشة مقترح بديل. ووفقاً لما أوردته بلومبرغ، حضر الاجتماع أكثر من 100 طرف، لم يكن من بينهم كبار المقرضين المؤسسيين المعتادين. بل كانت المجموعة خليطاً متنوعاً من المستثمرين، تتراوح بين مصارف صينية وصناديق تقاعد أوروبية، وصولاً إلى مستثمرين من بلدات ألمانية صغيرة، وبدرجات متفاوتة من المعرفة بالقضية. ورغم "صخب" المكالمة، كما وصفها المطلعون، فقد دفع ضغط المستثمرين الشركة في النهاية إلى تحسين شروطها.

تكمن صعوبة إدارة "شولداشاين" في حالات التعثر في طبيعتها المجزأة. فعادة ما تُباع هذه السندات في حصص صغيرة، أحياناً لا تتجاوز 500 ألف يورو، مما يجعلها جذابة للمستثمرين المتحفظين. لكن هذا يعني أن الشركات قد تجد نفسها مدينة لمئات الدائنين، مما يخلق تحديات إدارية هائلة عند الحاجة إلى إعادة هيكلة. ففي إحدى حالات إعادة الهيكلة العام الماضي، اضطرت مجموعة "بايوا إيه جي" (BayWa AG) الزراعية للتعامل مع أكثر من 250 دائناً. وقد أشار أندرياس ناويوكس، الشريك في مكتب المحاماة "نوير" (Noerr)، إلى أن البعض يعتقد أن هذه الاستثمارات آمنة لدرجة "يمكن وضعها تحت الوسادة والنوم لمدة خمس سنوات مع ضمان استعادة المال"، مضيفاً أن هؤلاء قد "يتفاجأون جداً جداً جداً".

تُظهر حسابات بلومبرغ أن ما لا يقل عن 5 مليارات يورو من ديون "شولداشاين" قد تورطت في أوضاع متعثرة على مدى السنوات الثلاث الماضية. ورغم أن السوق يصدر حوالي 20 مليار يورو من هذه الديون سنوياً، إلا أن هذه التطورات تسببت في قلق متزايد بين المقرضين. وقد أفاد الوسطاء بزيادة الاهتمام ببيع مراكز "شولداشاين" المتعثرة. وفي هذا السياق، ذكر مارك هوفمان، المؤسس المشارك لشركة "روبوس كابيتال" (Robus Capital) الذي يستثمر في "شولداشاين" المتعثرة منذ أكثر من عقد، أن المقرضين غالباً لا يتابعون استثماراتهم عن كثب، معلقاً: "غالباً ما نرى أنهم لا يراقبون هذه الأمور عن كثب. وأفترض بقوة أن إما الشخص نفسه يستيقظ ويقرأ الجريدة، أو يقول رئيسه أو رئيس رئيسه، 'أليس لدينا هذا في مكان ما؟'"

بالنظر إلى هذه التعقيدات، فإن عمليات إعادة هيكلة ديون "شولداشاين" تكون مؤلمة غالباً، مع ضعف الحماية للمقرضين. في حالة إعادة هيكلة شركة تصنيع البطاريات "فارتا إيه جي" (Varta AG)، وجد حاملو "شولداشاين" أنفسهم في وضع أسوأ بكثير من المصارف المقرضة التي كانت تتمتع بضمانات لم تتوفر لمستثمري "شولداشاين".

تبحث الشركات والمستشارون عن سبل لتجاوز الدائنين المتصلبين. وقد استخدمت بعض الشركات، مثل شركة العقارات "برانيكس جروب إيه جي" (Branicks Group AG)، عملية خاضعة لإشراف المحكمة لفرض إعادة هيكلة على حاملي "شولداشاين" الرافضين، لكن هذه العملية مكلفة ولا يمكن استخدامها إلا مرة واحدة كل ثلاث سنوات. ويدعو آخرون إلى إصلاح شروط "شولداشاين" القياسية للسماح بالموافقة على التغييرات الصغيرة بأغلبية الدائنين، مما يمنح الشركات مساحة أكبر للتعافي. وقد سعت شركة "جيريسهايمر إيه جي" (Gerresheimer AG)، المتخصصة في تغليف المستحضرات الصيدلانية، مؤخراً للحصول على موافقة المستثمرين لحصص بقيمة 870 مليون يورو لتأجيل إصدار تقريرها السنوي. في المقابل، يجادل المدافعون عن الوضع الراهن بأن هذه التعديلات غير ضرورية للشركات التي تتمتع بتصنيف ائتماني استثماري حقيقي، ويخشون أن يؤدي تعقيد النموذج إلى تقليل جاذبيته التي طالما كانت في بساطته.

في بعض الحالات القصوى، لجأت بعض الشركات إلى استراتيجية محفوفة بالمخاطر: الامتناع عن سداد مستحقات حاملي "شولداشاين" المعارضين والمضي قدماً في خطط إعادة الهيكلة الخاصة بهم، على أمل أن يتراجع المقرضون عن رفع دعاوى قضائية لتجنب التكاليف المرتفعة وصعوبة إنفاذ مطالباتهم. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي هذه الخطوة إلى مخاطر جسيمة، حيث قد يؤدي معارضة عدد كافٍ من حاملي "شولداشاين" إلى تعثرات متقاطعة عبر هيكل الدين الكامل للشركة. ومع استمرار الصعوبات التي تواجه "ميتلستاند" الألماني، يبدو أن المزيد من التحديات في سوق "شولداشاين" قد تكون وشيكة، مما يستدعي حلولاً هيكلية لمعالجة نقاط الضعف في هذا النموذج التمويلي التقليدي.