Contact Us
Ektisadi.com
طاقة

مفترق طرق دبلوماسي وسط مخاوف التسلح.. ماذا تعرف عن الملف النووي الإيراني؟

17 يونيو 2026 | 04:44 م
Iran's Nuclear Calculus: Negotiations Amid Persistent Proliferation Fears

يواجه الملف النووي الإيراني مفترق طرق دبلوماسي مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من اتفاق مؤقت يتضمن 60 يوماً من المفاوضات حول منشآت إيران النووية ومخزونها من اليورانيوم المخصب. تتركز المخاوف الدولية على عدم القدرة على التحقق من الوضع الحالي لـ 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بعد الضربات الأخيرة، وسط تحديات كبيرة تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ضمان سلمية البرنامج الإيراني.

لطالما شكل البرنامج النووي الإيراني نقطة توتر محورية على الساحة الدولية، ومصدراً لقلق عميق لدى العديد من الدول، وعلى رأسها إسرائيل التي تعتبر امتلاك طهران لقدرة نووية تهديداً وجودياً لها. تتجذر هذه المخاوف في عقود من الشكوك حول نوايا إيران الحقيقية، رغم تأكيداتها المتكررة على سلمية برنامجها وتركيزه على الأغراض المدنية لتوليد الطاقة.

في تطور دبلوماسي لافت، يقترب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق مؤقت قد يفتح الباب أمام فترة مفاوضات حاسمة تستمر لستين يوماً. ستركز هذه المحادثات على مستقبل المنشآت النووية الإيرانية ومخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، في محاولة للتوصل إلى تسوية تخفف من حدة التوترات القائمة.

تتمحور المخاوف الأساسية حول حجم ونوعية مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. فقبل أكثر من عام من الضربات الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو 2025، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد قدرت أن إيران تمتلك 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وتُعد هذه الكمية كافية لإنتاج حوالي اثنتي عشرة قنبلة نووية في حال معالجتها بشكل إضافي. بالإضافة إلى ذلك، كان لدى إيران أكثر من 8 آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بمستويات أقل. إلا أن الوضع الراهن لهذه المخزونات غير مؤكد، لا سيما بعد الاستهدافات العسكرية. وقد أشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إلى أن معظم اليورانيوم شبه الصالح للأسلحة يُرجح أنه مدفون في مجمع أصفهان النووي، الذي تعرض للقصف من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل العام الماضي وخلال الحرب الجارية هذا العام، وفق بلومبيرغ اليوم الأربعاء.

تؤكد هذه الشكوك على الدور الحيوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي عاتبت إيران في العام الماضي بسبب عدم قدرتها على تحديد ما إذا كان برنامجها النووي "سلمياً حصرياً". تواجه الوكالة تحديات كبيرة في التحقق من التغييرات، حتى على مستوى الغرامات، في مخزونات اليورانيوم العالمية لضمان عدم تحويل المواد لأغراض عسكرية. لكن قدرتها على التحقق من حجم وموقع احتياطيات إيران كانت مفقودة منذ ما قبل ضربات يونيو 2025.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتعهد فيها إيران بتقييد أنشطتها النووية. ففي عام 2015، توصلت طهران والقوى العالمية إلى اتفاق تاريخي يقضي بكبح أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات عنها. لكن هذا الاتفاق تلقى ضربة قاصمة بعد ثلاث سنوات، عندما انسحبت الولايات المتحدة منه بشكل أحادي خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب الأولى، مما أعاد الأزمة إلى نقطة البداية.

من الناحية التقنية، يتكون اليورانيوم الطبيعي بشكل رئيسي من نظيرين: اليورانيوم-238 واليورانيوم-235. يعتبر الأخير ضرورياً لتفاعلات الانشطار المستخدمة في كل من الطاقة النووية والأسلحة، ولكنه موجود بتركيزات منخفضة في الخام. لذلك، يجب تخصيب المادة لزيادة تركيز اليورانيوم-235، وهي عملية تتطلب آلاف أجهزة الطرد المركزي التي تدور بسرعات فوق صوتية. بينما يتطلب تشغيل معظم محطات الطاقة النووية نسبة تخصيب تبلغ 3.67%، وهي النسبة التي التزمت إيران بعدم تجاوزها لمدة 15 عاماً بموجب اتفاق 2015، فإن أي شيء فوق 20% يُعرف باليورانيوم "عالي التخصيب" لأنه يتطلب معالجة خاصة ويجعل الوصول إلى درجة نقاء الأسلحة (90%) سريعاً نسبياً. وحتى اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، يمكن استخدامه في قنبلة بدائية.

تثار تساؤلات جدية حول القدرات الإيرانية المتبقية لتخصيب اليورانيوم، خاصة بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتتالية. فهل ما زالت منشأتا التخصيب المعروفتان، فردو ونطنز، تعملان بكامل طاقتهما؟ تُعرف هذه المنشآت بتحصيناتها الهائلة؛ فموقع نطنز الرئيسي للتخصيب، الواقع في وسط البلاد، يضم هياكل تقع على عمق يزيد عن 40 متراً تحت السطح، محمية بقشرة فولاذية وخرسانية يقدر سمكها بثمانية أمتار. أما فردو، فهو أكثر تحصيناً، حيث بني داخل جانب جبل ويُعتقد أنه مدفون على عمق يتراوح بين 60 و 90 متراً تحت الأرض. ورغم تصريحات ترامب العام الماضي بأن البرنامج النووي الإيراني قد "أُبيد" بالضربات الأمريكية، إلا أن خبراء أجمعوا على أن إيران احتفظت بقدرات أساسية. ولا تزال الصورة الكاملة غير واضحة بانتظار التحقق المادي من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. يضاف إلى ذلك، إعلان منظمة الطاقة الذرية الإيرانية العام الماضي عن بناء محطة تخصيب ثالثة في موقع آمن غير محدد، وهو ما يعزز المخاوف من وجود منشآت سرية، خاصة وأن كلاً من نطنز وفردو قد بنيا سراً في السابق.

أخيراً، لا يقتصر امتلاك قنبلة نووية على اليورانيوم المخصب. فالترقية إلى اليورانيوم المخصب بنسبة 90% ليست تحدياً تقنياً كبيراً، ويمكن تحقيقها في غضون أسابيع قليلة باستخدام بضع مئات من أجهزة الطرد المركزي. لكن الخطوة التالية، وهي صب اليورانيوم في شكل معدني يمكن استخدامه في قنبلة، تتطلب من إيران استبدال القدرات التي دُمرت في منشأة أصفهان بفعل الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وبالإضافة إلى المواد الانشطارية، تحتاج إيران إلى آلية قنبلة ووسائل لتسليمها. من المرجح أن إيران تعرف كيفية إنتاج جهاز انفجار بسيط بتصميم "الجمع بالمدفع" (gun-assembly implosion device)، على غرار ما أسقطته الولايات المتحدة على هيروشيما عام 1945. إلا أنها لم تجرِ اختبارات تشير إلى معرفتها بكيفية صنع رأس حربي نووي صغير بما يكفي ليتم حمله على أحد صواريخها الباليستية ويستطيع تحمل إعادة الدخول إلى الغلاف الجوي. وتشير تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن إيران أجرت دراسات حول تجميع مثل هذا الجهاز حتى عام 2003، لكنها ربما لم تستأنف هذا العمل. تتراوح التقديرات للمدة التي قد تحتاجها إيران لإكمال الأنشطة اللازمة من أربعة أشهر إلى عامين. ويصل مدى أقوى صاروخ باليستي إيراني إلى 5000 كيلومتر.